ظنها بحبيب نزل بالحبّ إلى مستوى الماديات، فما تملك والحالة هذه إلا أن تدير ظهرها له. إن صدمة الشاعرة بالمجتمع -من قبل- كانت مؤلمة أشد الإيلام: فالناس (( أموات ) )وأن كانوا أحياء، وهم عبيد يرسفون بقيود الذل، والتفاهة. ولأن روحها تسامت إلى عالم آخر، فقد رفضت (( العيش في وادي العبيد ) ) [1] وسجنت نفسها في ذاتها، متطلعة إلى حبيب يماثلها روحًا، وشاعرية، وطهرا، ولكن ها هو ذا لا يختلف عن الآدميين برغباته وعواطفه، في الوقت الذي كانت تقف فيه على شرفة عليا من المثل، تقول نازك:
في نفسي جزءٌ أبديٌّ لا تفهمُهُ
في قلبي حلم علويٌّ لا تعلمُهُ [2]
فالجزء الأبدي في النفس، والحلم العلوي في القلب هما جوهر فرادة الشاعرة الإنسانة، وهما سر اغترابها المركب أيضًا. ولذلك استطابت جحيم الوعي في الوقت الذي ينعم فيه الآخرون بجهلهم، وآثرت الشقاء في البحث عن المثل، على سعادة القيم الحسية، وأسلمت نفسها لحلم طويل من التأمل والسفر داخل الذات، راغبة عن واقع خانق، ومن هنا فإن حبها الحقيقي كان -وسيبقى- لحبيب لم يزل في طي الغيب، عانقته روحًا خفية، وارتحلت معه إلى عالم لا متناه من الضياء والنقاء، ولعل قصيدتها (( الزائر الذي لم يجئ ) )تكشف حقيقة عشقها الإلهي الذي لا يعرفه البشر، وتشخص ذلك الحبيب الغائب - الحاضر، تقول:
ولو كنت جئت .. وكنا جلسنا مع الآخرينْ
ودار الحديث دوائر، وانشعب الأصدقاءْ
أما كنت تصبح كالحاضرينْ [3]
فهذا الحبيب -الحلم، الأثيري المتسامي، هومصدر إبداعها، ومنبع إلهامها، وهو وحده الذي يرتفع إلى مستوى اغترابها في جلاله وقدسيته، وإذا ما قيض لهذا الحبيب أن يجيء يومًا، فسينزل بها إلى مرتبة الآخرين من الخواء، والشهوة، أما من جاءها يومًا (( بلحم آدمي وعظمه ) ) [4] فهو طيف عابر، لأنها تتطلع إلى حبيب لن تراه يومًا، ولا تريد أن تراه، وهكذا نرى أن تجربتها العاطفية الوحيدة قادتها إلى مزيد من الاغتراب، والاعتزال، بدلًا من أن تكون عاملًا مخففًا يفتح لها نافذة في جدار غربتها، بل إن الباحث لا يشك في أن هذه الصدمة قد أوصلت
(1) ينظر: نفسه، 1/ 492.
(2) شظايا ورماد، 2/ 98.
(3) ديوانها: قرارة الموجة، 1/ 330.
(4) ينظر: نفسه، 331.