الشاعرة إلى غربتها الروحية التي ستلازمها إلى مرحلة متأخرة من حياتها، وسيكون الحلم، وحده، مأواها، وملاذها:
وأدركتُ أنّي أحبّكِ حلْما [1]
ويعيش بلند الحيدري اغترابًا اجتماعيًا حادًا، وربما كان -بسبب ذلك- أكثر مايكون التماسًا لحب يخرجه من عزلته التي أخذت بخناقه، وكادت أن تفسد عليه الهواء الذي يتنفسه، غير أنه أخفق في الالتقاء بالمرأة التي تبادله الحب، وتشاطره شتاء حياته القاسي، الطويل، فهو روح غريب في حياة صقيعية، تتوالى شتاءاتها عليه وحيدًا، دونما أمرأة تشعره بشبابه فعلى الرغم من تأثير اغترابه الروحي على شعوره بحقيقة عمره، إلا أن غياب المرأة ربما أوهمه بالشيخوخة يقول بلند:
أهرمكَ الشوق لمأوى الصبا ... وأنت مازلت بباب السنينْ [2]
على أن ظمأه العاطفي الحاد، أسلمه إلى شعور مرير بالشيخوخة النفسية- إذا صحت التسمية- وهو يرى إلى سنيّه تمضي هباء، تُسفي عليها الرياحُ الجدبَ، وبرودةَ الشتاء، يقول:
شتوية أخرى
.. وهذا أنا
هنا
بجنب المدفأة
أحلم أن تحلم بي امرأةْ
أحلم أن أدفن في صدرها
سرًا، فلا تسخر من سرها [3]
إن اغترابه العاطفي هنا مركب: فثمة الشتاء وهو رمز لجفاف الحياة، التي تفتقد الدفء، وتشير إلى عُرى الذات، وثمة الوحدة وهي رمز افتقاد الذات الأخرى، ومبعث الوحشة لذلك فإن الشاعر يؤسس حلمين، أو ينزع إلى حلمين: فهو (يحلم) بامرأة، (تحلم) به، وبذلك يتكافأ اغتراب الشاعر مع الحلم في محاولة لاستعادة
(1) المكان نفسه.
(2) ديوانه، خفقة الطين، ص 104.
(3) ديوانه؛ أغاني المدينة الميتة، ص 72.