فهرس الكتاب

الصفحة 31 من 170

فقد عرض النص الأول ادعاء الشاعر من أجل العودة، وقدم للنص الثاني سؤالًا عمن سيعرفه بعد العودة، ولا يرى الباحث ضرورة في إيراد أمثلة أخرى على غياب الباحث الاغترابي، أو ضعفه، لأن هاجس البياتي كان قد تمحور حول هدف محدد هو: انتزاع موقع عالمي في حركة الشعر الإنساني، وهذا الهدف لا تصنعه الدموع، والآهات، وإنما الصبر، والاحتمال، والتأقلم، وقد وعى البياتي ذلك جيدًا والباحث لا يريد أن يسلب الشاعر رهافة حسه، ورقة عواطفه، وإخلاصه في الحنين إلى وطنه، ومرابع صباه، فقصائده حافلة بهذه العواطف والمشاعر، ولكن الشاعر وقد ركب مغامرة التجوال، عرف أية مشاعر يسوِّقها في شعره، لكي تتكافأ مع الأحلام الكبيرة التي ارتحل من أجلها. فها هو يخاطب ابنه:

لم أنت حزينْ؟

سنوات التكوينْ

سنوات الفرحةْ

والعالم يولد في لمحةْ

في وجه أبيك الشاعرْ

الثائرْ [1]

وعلى وفق هذا التوصيف فإن ماكان يعانيه البياتي من مشاعر الاغتراب المكاني في منفاه الاختياري كان عنده ما يساويه من عناصر النزوع والتجاوز. يقول في إحدى قصائده:

باريس في الشتاءْ

تدثرت بالثلج والفراءْ

فما لقلبي ظل في العراءْ؟ [2]

وهكذا هو البياتي: كلما أحس بوطأة الاغتراب أتى برد فعلٍ معاكس له.

ويدخل بلند الملعب السياسي متعبًا، وقد امتلأ بتشاؤم كيتس وأبي العلاء، ورومانسية محمود حسن اسماعيل، وتمرد إنسان الياس أبي شبكة، وعبث أبي نواس، ولذلك لم يكن صوته جهيرًا شأن شعراء السياسة، وإنما كان هادئًا تجاوز

(1) ديوانه، أشعار في المنفى، 1/ 405.

(2) ديوانه: النار والكلمات، 1/ 698.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت