فهرس الكتاب

الصفحة 32 من 170

خطابية السياب وعنف البياتي، واعتمد الرمز، والإيحاء، والحوار الداخلي، وتتضح غربته في جانبها السياسي رؤى محزون، ولكنها رؤى شفافة وندية، فاغترابه المزدوج الاجتماعي الروحي لم يكن ليسمح بالتخلي ولو عن بعض طاقته لتعبير سياسي عالي النبرة، وتشي قصيدته (( اعترافات من عام 1961 ) )بإيماءات خجول عن تلك المرحلة السياسية الحرجة، التي عانى فيها الشاعر بسبب التزامه السياسي، يقول بلند:

وأنا كنت من الثوارْ

وعرفت النوم على الاسمنت الباردْ

مثل القرن العشرينْ

وعرفت السجانين الثوارْ

وعرفت المسجونين الثوارْ

وعرفت بأنَّ الثوارْ

قد تقلع ظفري

قد تصلب كل صباح حلاّجًا في صدري [1]

وقد تأرجح موقف الشاعر بين اليأس وبين الأمل، أما اليأس فلأنه عرف الواقع، وتقرّى حقيقة الصراع الدائر فيه لذلك لم يتورع عن الجهر بنفض اليد عن حطام الربيع المتبقي، يقول:

أنا لملمتُ دروبي فالربيعْ

مثلما ضاع ربيعٌ

وربيعٌ، سيضيع [2]

فقد أيقن أن عالمه الجديد (( يحيا بلا قلب ) ) [3] وأنه بلغ الأربعين من عمره وعلى يديه (( أكداس أحلام، تموت بلا غد ) ) [4] ، ولكنه مع ذلك لا يُسلِم اليأس كلَّ أوراقه، فهو أولًا صاحب قضية، ليس أمامه إلا الانتظار حتى الرمق الأخير، وهو ثانيًا محاصر بالاغتراب: اجتماعيًا، ونفسيًا، وسياسيًا، واليأس المطلق يخنقه، وقد يقضي عليه، ولذلك حسبه بعض الأمل يستعين به على مواصلة حياته، وهو زاحفٌ غير قائم، يقول:

(1) ديوانه: أغاني الحارس المتعب، 85 - 86.

(2) ديوانه، خطوات في الغربة، ص 19.

(3) ينظر: نفسه، ص 71.

(4) ينظر: نسه، ص 76.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت