ومن هذه القضايا أو هذه المناهج حتى نعرف طريقة السلف هو في الصناعة الحديثية، وقد ذكرت مرارًا وتكرارًا أن لكبار أهل الحديث لهم طريقة ومنهج تميزوا بها عن غيرهم، وقد نص كثير من أهل العلم على هذا.
ومن تأخر من أتى من بعدهم، فمنهم من سلك طريقتهم، ومنهم من لم يسلك طريقتهم، فأصبح في أحكام أهل الحديث خلل ونظر، ومن ذلك تجد أن هناك أحاديث كثيرة صححها المتأخرون، والسلف حكموا عليها حكموا عليها بالنكارة وبالرد والتضعيف أحاديث كثيرة، فينبغي أن نعرف طريقة السلف، ومنهج السلف، ومنهج كبار الحفاظ في الصناعة الحديثية، ولا يتأتى لنا هذا الشيء إلا بالرجوع إلى كتب السلف ندرس طريقتهم ومنهجهم.
فمثلًا الغرابة في الحديث:
هذه قضية مهمة في الصناعة الحديثية، وقد يرد الحديث بسبب غرابته أبو داود في رسالته إلى أهل مكة عندما سئل كل ما في كتاب السنن صحيحة، فكتب لهم الرسالة المعروفة وذكر في هذه الرسالة، وقال: والفخر أن هذه الأحاديث التي ذكرتها في كتاب السنن أنها مشاهير، وأنها ليست بغرائب، وأن الحديث الغريبة مردود حتى ولو كان من رواية مالك أو يحيى بن سعيد، و مالك و يحيى بن سعيد من كبار الحافظ، فقال ومع ذلك الحديث مردود حتى لو كان من روايتهم.
وكذلك أبو عيسى الترمذي في كتابه الجامع يذكر حديث حسن صحيح غريب، أو حسن غريب، أو غريب. أولًا: يعرف إلا من هذا الوجه. أو هو من غير وجه وهكذا.
فتجده دائمًا ينبه على مسألة الغرابة ويراعيها في الحكم على الحديث، مثلًا أبو بكر البرديجي عندما ذكر أصحابة قتادة قسمهم إلى قسمين الذين عليهم المعوّل:
فالقسم الأول: شعبة وسعيد بن أبي عروضة، وهشام الدستوائي.
والقسم الثاني: ذكر حماد بن سلمة والأوزاعي وهمام بن يحيى و أبان.
فقال عن القسم الثاني، إذا روى أحد منهم حديث مثل الأوزاعي وحماد وبن سلمة و همام و أبان إذا روى أحد منهم حديث عن قتادة عن أنس ننظر إذا وجدناه لم يروي من طريق قتادة إلا من هذا الطريق، ولم يأتي من طريق آخر عن غير قتادة عن أنس، فهذا يعتبر حديث منكر.