فالإمام مسلم رحمه الله عنده دقه في مؤلفاته وفيما يذكر ذكرنا بعض الأمثلة - وإضافة إلى ما ذكر سابقًا - أنه أحيانا يسمع حديث عن شيخ له، وهذا الشيخ يروي هذا الحديث عن شيخه عن شيخين، ويكون أحد الشيخين ليس من شرطه فمن دقة الإمام مسلم ومن ورعه أنه كان يذكر الشخص الآخر الذي ذكر في الإسناد وإن كان هو لا يريد أن يروي عنه مثال على هذا روى من طريق ابن وهب عن عمرو بن الحارث و ابن لهيعة في موضعين في صحيحة، فأراد الاحتجاج بـ عمرو بن الحارث، وهو ثقة ثبت بخلاف عبدالله بن لهيعة ففيه ضعف، حتى من رواية العبادلة عند جمهور الحفاظ.
ذكر ابن أبي حاتم في كتابه العلل عشرات الأحاديث من رواية العبادلة، وبذات من رواية ابن وهب عن ابن لهيعة وأنكرها، فالتفريق ما بين رواية العبادلة، ورواية غيرهم إذا كان المقصود من هذا التفريق تصحيح رواية العبادلة عن ابن لهيعة، وأنها صحيحة على الإطلاق، فهذا خطأ ولكن رواية العبادلة وغير العبادلة، ممن سمع منه قديمًا أقوى، لكنها لا يحتج بها، كما قال ابن معين و أبو زرعة وكان ضعيفًا قبل احتراق كتبه، وبعد احتراق كتبه، وهذا مذهب جمهور الحفاظ، وله أحاديث كثيرة منكرة حتى من رواية العبادلة.
الشاهد من هذا عندما يقع الحديث على ابن وهب ويكون ابن وهب رواه عن عمرو بن الحارث ابن لهيعة يذكره كما سمعه، البخاري ماذا يفعل النسائي؟ يقولون: قال: ابن وهب حدثنا عمرو بن الحارث، وذكر آخر، ولا يسمون ابن لهيعه يقولون: وذكر آخر، ومن دقة مسلم وورعه يذكر ابن لهيعة والأقرب أن الإمام مسلم لم يروي لابن لهيعه حتى ولا في الشواهد ولا مقرون؛ لأنه ما وقع له في موضع في صحيحه فإنه لم يقصد رواية عنه، وإنما قصد الاحتجاج بعمرو بن الحارث.
فذكر أنه روى لـ ابن لهيعة مقرونًا فنقول: الأقرب أنه لم يقصد أنه يروي لـ ابن لهيعة حتى مقرونًا، وإنما وقع في سماعه فذكره كما سمع وقصد عمرو بن الحارث وليس ابن لهيعة.
هو أنه أعرض عن بعض الكبار في الحفظ والثقة ولم يروي لهم في كتابه الصحيح، كما أعرض عن عكرمة مولى ابن عباس وهو من أجلّ الناس وعلمائهم، ولكن مسلم لم يحتج به ويعرف الإمام مسلم أن عكرمة صحيح الحديث ولكن لعله أعرض عنه بسبب ما تكلم به في حق عكرمة، وأنه نسب إلى مذهب الخوارج وهو -رحمه الله- برئ منه، لم يثبت عنه القول بمذهب الخوارج، بل كان من كبار أهل العلم في زمانه.