دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين، فمسح على خفيه هكذا رواه الجمع الكثير، وهذا الذي جاء في الصحيح فالرواية الأخرى التي فيها مسح على جوربيه ونعليه.
فطريقة الفقهاء والأصوليين وكثير ممن تأخر من أهل الحديث يعتبرون مثل هذا أنه حديث مستقل، وأما جمهور الحفاظ، فيعتبرونه حديث واحد، فإذًا يردون رواية المنفرد إلى رواية الجماعة، فيقدمون رواية الجماعة على رواية المنفرد، فيعتبرون رواية المنفرد خطأ، والأمثلة على هذا كثيرة.
روى قرّة بن عبد الرحمن عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: {من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه} روى هذا الحديث أصحاب الزهري رووه عن الزهري عن علي بن الحسين مرسلًا، بعض أهل العلم قالوا: أن هذه زيادة من شرح صدوق، وهو قرة بن عبد الرحمن فتقبل، ومن رواه مرسلًا هذا لم يسمع الحديث متصل، فمن علم حجة على من لم يعلم، وهذا ما ذهب إليه النووي وبعض من تأخر، قالوا: هذا حديث حسن، بينما كبار الحفاظ كـ أحمد و البخاري، و ابن معين، و ابن المديني، قالوا الصواب: أن هذا الحديث ضعيف وأنه مرسل عن علي بن الحسين.
حديث آخر جاء من طريق قرة بن عبد الرحمن عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: {كل أمرٍ ذي بال لا يبدأ فبه بحمد الله فهو أقطع} .
أصحاب الزهري كـ مالك بن أنس وغيره، رووا هذا الحديث عن الزهري مرسل -وشر المراسيل مراسيل الزهري- لأنه ضعيف شديد الضعف، فبعض أهل العلم اعتبروا الحديث الأول حسن وصححوه، كـ ابن حبان، و تاج الدين السبكي وغيرهم، والصواب أن الحديث ضعيف مرسل، فهذا هو منهج كبار الحفاظ؛ لأنهم يعتبرون هذا حديث مرسل ضعيف ويقدمون رواية الأحفظ والأكثر، فهذا ما يتعلق بشرح الأمر الأول، في كيف نكتشف هذا الخطأ.
الأمر الثاني: حتى نفهم هذه القضية فهما جيدًا هو بالرجوع إلى الكتب العلل والتخريج، مثل العلل للدار قطني والعلل الكبير للترمذي، والعلل لابن أبي حاتم وأمثال هذه الكتب، ومن ذلك كتاب التمييز.
فنطلع على أكبر عدد من الأمثلة حتى تضبط القاعدة وتعرف المنهج وتسير عليه.