فهرس الكتاب
فيه هو من صفات الناس الضعفاء معدومي الإرادة و إنَّ فاقدي الشخصية لا يستطيعون المواجهة ولا يمكنهم الثبات أمام المشكلات الكبيرة ولا حتى الصغيرة لذلك فإنك تجد أمثال هؤلاء كل يوم في حالة مخالفة لما كان عليه في اليوم السابق فهو إن عاش في واقع متدين صار مفتيًا وإن عاش في واقع منحل صار أكثر انحلالًا من الواقع نفسه ولقد بيَّن الله تعالى أن على المسلم أن يفهم الواقع قبل أن يقرر التعامل معه كما قال تعالى: {وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ} الأنعام: 55، قال ابن كثير رحمه الله كي تظهر طريق المجرمين للرسل ... والسؤال المطروح هنا لماذا تظهر طريق المجرمين؟ ما هو السبب في إظهارها؟ الجواب واضح بالنسبة لنا كمسلمين لأن وضوح سبيل المجرمين يدفعنا إلى سلوك الطريق الآخر أو إتباع طريق المؤمنين لأن بيان طريق المجرمين هو أمر مهم لبيان طريق المؤمنين فالمسلم يتبين طريق المجرمين وواقعهم لكي يبتعد عن طريق الإجرام وعن ذلك الواقع وأي مسلم هذا الذي سيعرف طريق المجرمين ثم يسلكها؟ والمسلم لا يكون إمّعة يقلّد الناس ويشترك معهم في باطلهم فيفعل كما يفعلون ويقول كما يقولون ويمارس ما يمارسون فقد حذّر النبي - صلى الله عليه وسلم - من ذلك بقوله:"لا يكن أحدكم إمعة يقول أنا مع الناس إن أحسن الناس أحسنت وإن أساؤوا أسأت ولكن وطِّنوا أنفسكم فإن أحسن الناس أن تحسنوا وإن أساؤوا أن تجتنبوا إساءتهم" [1] ... والأصل في المسلم أن تكون له شخصيته المستقلة وأن لا يكون مجرد مقلد يقلد الناس في الخير والشر فقد كان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يقول:"ما أنا بالخبِّ ولا الخبُّ يخدعني"فالمسلم ليس غبيًا ولا مغفلًا يمكن أن يغرّر به بل هو كَيِّسٌ فطن لا يلدغ من جحر مرتين ولذلك يجب الحذر من الانخراط في الواقع دون فهم له ودون مبرر أو دليل شرعي يجيز ذلك لأن سرعة الذوبان في أي واقع من قبل أي شخص يُفقد ذلك الشخص ثقة الناس به فكيف أثق بإنسان متلون يسحبه التيار إلى أي مكان دون أيِّ مقاومة ويميل مع الريح حيث مالت كل يوم تجده بشكل مختلف عن اليوم السابق وتسمع منه كلامًا يختلف عن الكلام السابق وتسجل له مواقفَ مناقضة لمواقفه السابقة تجده اليوم معك وغدًا تجده مع غيرك أو مع عدوك فهو متغير وفق الظروف والمصالح والأهواء فهل هذا إنسان يوثق به؟ أما القسم الثاني من الناس فهم الذين يتعاملون مع الواقع بطريقة مختلفة فلا يذوبون فيه ولا ينخرطون في شروره ولا يشاركون أصحابه في باطلهم والأهم من ذلك كله أنّهم يسعون لتغييره فلا يكفي أن يرى المسلم المنكر ويقول هذا منكر بل يجب عليه السعي بكل قوة ووفق طاقته لكي يغير ذلك المنكر كما قال - صلى الله عليه وسلم:"من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده ..." [2] ، من رأى المنكر وعرف أنّه منكر لا يجوز له السكوت عليه ولكنه يسعى لتغييره كما أَمَرَ بذلك - صلى الله عليه وسلم - وإن من رأى المنكر وكان قادرًا على تغييره ثم لم يغيره ولم يعمل على إزالته ولم يحاول محاربته ولم يتمعر وجهه لذلك أي لم يغضب لرؤيته المنكر فقد قال - صلى الله عليه وسلم:"والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابًا منه ثم تدعونه فلا يستجاب لكم" [3] ، إنّ المسلم الحقيقي المتمسك بدينه لا يترك النهي عن المنكر و لا يترك تغيير الواقع الفاسد هكذا كان قدوتنا - صلى الله عليه وسلم - عندما جاء إلى واقع مرير مليء بالشرك والأوثان والمعبودات من دون الله تعالى فهل تماشى مع ذلك الواقع المنكر أم أنّه قام بكل طاقته من أجل تغيير كل المنكرات التي كانت منتشرة قبل الإسلام ثم لم يهادن ولم يقبل المساومة سواء
(1) رواه الترمذي بصيغة الجمع، لا تكونوا إمعة تقولون ان أحسن الناس ... وضعفه الشيخ الألباني.
(2) رواه مسلم.
(3) رواه أحمد والترمذي والطبراني في الكبير وحسنه الألباني.