فهرس الكتاب

الصفحة 109 من 604

الإسلام جاءت تلك السفن وهي تحمل الحقد الدفين والغدر اللعين والقتل المسلّط على الرجال والنساء والأطفال ولا معين ... يا أيتها السفن الحاقدة ارجعي بأحقادك إلى بلادك لا نريد رؤيتك ولا جوارك لقد اسودّت ليالينا بليلك الحالك وأخذت ديارنا وكأنّها ديارك قاتل الله جيشك المارق وبحّارتك الذين يعلقون المشانق ويقتلون المسلمين بالبنادق ويقيمون المعسكرات والقواعد والخنادق، وكأن البلاد بلادك والزمان زمانك والأرض أرضك والجو جوّك والبحر بحرك والشعب شعبك والدم دمك والصوت صوتك والنهار نهارك والليل ليلك والكل لك وكأننا صرنا لقطاء في هذا الفضاء لا أرض لنا ولا سماء ولا حياة ولا عيش ولا بقاء وكأننا في هذا الكون غرباء أصبحنا كالأيتام على مأدبة اللئام بلا آباء .. يا أمة الإسلام من يصد سفن الأعداء؟ من يحمي هذه الأمة من يحمي البحار والسهول والديار؟ من يعيد لنا الدار؟ من يطرد عنها الأشرار؟ من يغرق السفينة ويقتل البحّار؟ إن الإجابة لا تصح بالكلام يا للعار! إن الإجابة تكون بالدماء والحديد والنار إن الإجابة تكون باتباع السلف وتجنيد الخلف لكي يتصل الأخيار بالأطهار ... أعود إلى السفن التي كانت لا تمر في مياه تلامس الأرض الطاهرة فصارت اليوم تصول وتجول في مياه الأمة شرقًا وغربًا وشمالًا وجنوبًا ولا حسيب ولا رقيب عليها من المسلمين ويا لفرحتي وسعادتي لو أنّها تمر مرورًا ولكنها تتخذ من مياهنا وبحارنا وخليجنا مقرًا دائمًا ومكانًا تقيم فيه باستمرار ومن طول بقائهم أخشى أن يعتقد بعض أبناء المسلمين أن تلك المياه ليست لنا وإنما هي للصليبيين لا قدر الله تعالى .. ويا ليت الأمر توقف عند السفن والبحار والأنهار والمياه كلها بل إنّه تعدى كل المياه ليصل إلى اليابسة وإلى باطن الأرض ليسرق البترول وإلى الأجواء ليحلق فيها فيقتل من يريد من المسلمين بسهولة ويسر فالسفن ترسوا في مياهنا والمدافع تقصف من أرضنا والطائرات تطير في أجوائنا وتُزود من نفطنا وتهبط في مطاراتنا أو على البوارج في مياهنا والمشاة يقيمون قواعدهم في معظم بلادنا وصاروا يحكمون ويرسمون ويعيّنون الحكام المطيعين ويغيّرون الحكام المشاغبين فليت الأمر وقف عند مرور السفن ... وقد كان واقع الأمة وهي موحدة قوية في دولة واحدة يحكمها خليفة واحد ولها راية واحدة كانت متميزة في كل شيء كانت متميزة في خلفائها فهذا عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - لما طعن وهو يصلي إماما في الناس طلب منه أن يولي إابنه عبد الله بن عمر فأجاب: ما حمدتها فارقب فيها لأحد من أهل بيتي بحسب آل عمر أن يحاسب واحد منهم .. رضي الله عن عمر وعن آل عمر هكذا كان خلفاء المسلمين كانت الأمة متميزة بخلفائها فكانت من أعظم الأمم وكانت كذلك متميزة في علمائها فهذا سعيد ابن المُسَيِّب أحد علماء التابعين - رضي الله عنه - يخرج إلى الغزو في سبيل الله وقد ذهبت إحدى عينيه فقيل له إنّك عليل فقال: استنفر الله الخفيف والثقيل فإن لم يُمْكِنِّي الحرب كثَّرت السواد وحفظت المتاع .. العلماء ورثة الأنبياء الذين يحملون لواء هذا الدين فكيف لا يكونون من أكثر الناس تميزًا والأمثلة على تمّيزهم كثيرة وطويلة لا يتسع المقام للتفصيل فيها هنا ولكن الأمة القوية تحتاج إلى علماء مخلصين فلما كانوا كذلك كانت الأمة متميزة ... ... أما تميز القضاة فكان مفخرة في تاريخ الأمة القوية فقد أورد محمد بن سعد الزهري المتوفى عام 230 هـ مقارنة بين قضاة صدر الإسلام - أي القضاة الأوائل في هذه الأمة - وقضاة زمانه فقال: كان الرجلان يتقاولان - أي يحدث بينهما خلاف - في أول الزمان فيقول أحدهما للآخر: لأنت أفلس من القاضي فصار قضاة اليوم ولاة وجبابرة وملوكًا وأصحاب غلاّت وضياع وتجارات وأموال .. أنظر أخي إلى هذه المقارنة بين القضاة الأوائل من قضاة الأمة وليس بين قضاة اليوم بل مع القضاة الذين كانوا في زمن الزهري المتوفى عام 230 هـ فكيف به لو كان في زماننا هذا لرأى العجب العجاب من قضاة اليوم

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت