فهرس الكتاب

الصفحة 130 من 604

بحفظ الله تعالى لأنّها راية القرآن وراية القرآن لا يمكن لأحد أن يمسها لأنّها محفوظة بحفظ القرآن: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} الحجر: 9، وإن الراية التي زرعت في نفوس أصحابها وأتباعها لا يمكن أن تقلع مهما كاد لها أو تآمر عليها الطغاة وتاريخ الأمة شاهد على ذلك ففي معركة مؤتة التي وقعت بين الغساسنة ومن معهم من الروم وبين المسلمين وكان عدد المسلمين فيها يقرب من ثلاثة آلاف مقاتل وقد أَمَّرَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على جيش المسلمين زيد بن حارثة - رضي الله عنه - فإن قتل زيد فيصبح الأمير جعفر بن أبي طالب - رضي الله عنه - فإن قتل جعفر أصبح الأمير عبد الله بن رواحة - رضي الله عنه - وكان جيش الروم والغساسنة كبيرا جدا يقرب من مائتي ألف مقاتل ومع كل ذلك صبر الصحابة - رضي الله عنهم - وقاتلوا بعد مشاورات استمرت ليوم أو يومين بين الصحابة هل نكتب للنبي - صلى الله عليه وسلم - عن جيش الروم لعله يمدنا بالرجال أو يأمرنا بالانسحاب ولكن عبد الله بن رواحة - رضي الله عنه - عارض هذا الرأي وشجع الناس قائلا لهم: يا قوم والله إن التي تكرهون للتي خرجتم تطلبون يعني الشهادة وما نقاتل الناس بعدد ولا قوَّة ولا كثرة ما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به فانطلقوا فإنما هي إحدى الحُسْنَيَيْن إما ظهور وإما شهادة ... وبدأ القتال ثلاثة آلاف من المسلمين يقاتلون عشرات الآلاف من أعداء الله بقوة الإيمان وبسيوف الحق المشرعة حتى أذهل جيش الروم من هول ما رأى وكان يحمل راية المسلمين راية التوحيد راية الحق يحملها زيد بن حارثة - رضي الله عنه - حِبُّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقاتل بيد وحمل الراية بيده الأخرى فأراد الروم إسقاط راية المسلمين فأمر قائدهم بقتله حتى تسقط راية المسلمين وفعلا قتل زيد وارتقى شهيدا ولكن الراية لم تسقط مباشرة حملها جعفر بن أبي طالب - رضي الله عنه - وأخذ يقاتل قتالا منقطع النظير وهو يحمل الراية بيمينه حتى إذا أرهقه القتال عقر فرسه ثم قاتل حتى قطعت يمينه التي تحمل الراية فهل يا ترى ستسقط الراية بعد قطع اليد؟ لا وألف لا لن تسقط راية التوحيد حتى لو قُطِّعْنا ... تقطع اليد ولا يهمه ذلك المهم أن لا تسقط الراية فيمسك الراية بشماله ... يُعرِّض حياته للخطر من أجل الراية لأن يمينه قد قطعت وشماله يحمل بها الراية فكيف سيدافع عن نفسه في وسط آلاف الجنود؟ أنا لست خائفا على نفسي أن تموت ولست خائفا على جسدي أن يقطّع ولكني أخاف على الراية أن تسقط ... فيأتي أحد جنود العدو فيقطع يده الشمال التي تحمل الراية فهل ستسقط هذه المرة؟ أنّه بلا أيدي يمكنها أن تمسك الراية ومع كل ذلك لا يمكن أن تسقط الراية لأنّه ضمها إلى صدره إلى قلبه إلى المكان الذي زرعت فيه وتربت فيه وحملت على الرؤوس من خلاله ... يحتضنها بعضديه حتى لا تقع كيف تقع الراية؟ فلتقطع أيدينا فليقتلنا عدونا ولكن الراية ستبقى مرفوعة ... دماؤنا دونها أرواحنا دونها أجسادنا دونها أشلاؤنا دونها هي رايتنا هي عزنا وشرفنا ... هي كل شيء لنا في هذه الدنيا كيف تسقط على الأرض لا و الله لا تسقط ما دام فينا عرق ينبض .. لقد قطع العدو يدي جعفر فأمسك الراية وضمها إلى صدره فما لبث أن جاءه رومي مجرم فضربه بالسيف فقتله فارتقى شهيدًا - رضي الله عنه - كيف كان يموت الصحابة من أجل راية التوحيد وما هذا التحدي الذي حدث في عدم وقوع الراية إلا نتيجة حيَّة لما كان في قلوبهم ... رَسَخَت العقيدةُ في قلوبهم فأمسكوا بها فوق رؤوسهم حتى ماتوا ... وقع جعفر شهيدا بلا يدين ولكن الله عوضه عنهما بجناحين في الجنة يطير بهما ولذلك سمي بجعفر الطيار وروى البخاري عن نافع أن ابن عمر اخبره أنّه وقف على جعفر يومئذ وهو قتيل فعددت به خمسين بين طعنة وضربه ليس منها شيء في دبره يعني ظهره أي أنّه كان يحمل الراية مستقبلا بها العدو وهو في مقدمة الصفوف لكي تبقى راية التوحيد شامخة تصول وتجول في ساحة المعركة حتى في أصعب الظروف

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت