فهرس الكتاب
الثمانين وذهبت إحدى عينيه فقيل له: اجلس فقد وضع الله عنك الجهاد وأنت مريض كبير في السن فماذا قال؟ هل جلس؛ وهو معذور حتى و إن جلس ولم يخرج للجهاد، أم أنه رفض الجلوس والقعود بل قال لهم: أخرج معكم فأكثر السواد وأحفظ المتاع ... ... .تخيل معي أخي في الله أن نسمع تلك الكلمات من كبير التابعين وإمامهم - رضي الله عنه - وعن أقرانه وإخوانه والسابقين له واللاحقين به إلى يوم الدين ... ... .كان كهول السلف يسارعون ويسابقون للمشاركة في ساحات الجهاد و الإعداد وكانت الأمة في زمنهم تعيش فترة من القوة ومن تحقيق الانتصارات العظيمة على أعدائها فكيف بأحوالنا اليوم ونحن لا نرى العوام فقط يجلسون ويتركون الجهاد بل صار من يسمون بعلماء الأمة هم أول من يتخاذل عن نصرة الجهاد لكي يظهروا لنا من خلال الفضائيات وتحت المكيفات وعبر الاتصالات ويعتبروا أنفسهم أدوا ما عليهم ... والمصيبة الأعظم والكارثة الأكبر ليس فقط قعودهم وتخاذلهم بل زادوا على ذلك بأن دعوا الأمة للقعود والتخاذل وشنوا هجوما إعلاميا بشعا على المجاهدين واتهموهم بالإرهاب ودعوا إلى قتالهم وأفتوا بجواز قتل المجاهدين وبعضهم والعياذ بالله أفتى بوجوب ذلك ... كثير منا بمجرد أن يقترب عمره من الثلاثين يعلن أنه لا يصلح للجهاد وأنه تجاوز مرحلة الشباب وتبدأ الأعذار تتساقط من كل مكان أما السلف فكانوا من السبّاقين دائما لساحات الجهاد و الإعداد مع كونهم أصحاب أعذار فهذا عمرو بن الجموح أحد صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو شيخ كبير أعرج شديد العرج وكان له أربعة أبناء شباب يغزون مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأراد ذلك الشيخ الخروج للجهاد مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال بنوه"إن الله قد جعل لك رخصة فلو قعدت ونحن نكفيك وقد وضع الله عنك الجهاد"فأتى عمرو إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال يا رسول الله: إن بنيَّ هؤلاء يمنعوني أن أجاهد معك فوالله إني لأرجو أن استشهد في سبيل الله فأطأ بعرجتي هذه في الجنة فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"أمّا أنت فقد وُضع عنك الجهاد"وقال لبنيه:"وما عليكم ألا تدعوه لعل الله عز وجل أن يرزقه الشهادة"فخرج مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقبل خروجه ودّع عمرو زوجته وداع مفارق لا يعود ثم اتجه إلى القبلة ورفع كفيه إلى السماء وقال: اللهم ارزقني الشهادة ولا تردني إلى أهلي خائبا ثم انطلق يحيط به أبناؤه ولما حمي الوطيس وتفرق الناس عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شوهد عمرو بن الجموح يثب على رجله الصحيحة وثبًا ويقول: إني المشتاق إلى الجنة إني المشتاق إلى الجنة وكان وراءه أولاده يقاتلون عن رسول الله حتى سقط اثنان منهم شهداء ليس بينه وبين ابنه إلا لحظات ... وما أن هدئت المعركة حتى قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى الشهداء ليواريهم التراب فقال لأصحابه"خلوهم بدمائهم وجراحهم فأنا الشهيد عليهم"ثم قال"ما من مسلم يكلم -يجرح - في سبيل الله إلا جاء يوم القيامة يسيل دمًا اللون كلون الزعفران والريح كريح المسك ثم قال:"ادفنوا عمرو بن الجموح مع عبد الله بن عمرو فقد كانا متحابين متصافيين في الدنيا [1] ... يا لهذه النهاية الرائعة يا لتلك الكلمات التي تستحق أن تسجل بماء الذهب يا لتلك الهمم والعزائم كيف كان أصحابها وكيف كان حبهم للجهاد وتصميمهم على المشاركة فيه مع كونهم من أصحاب الأعذار قد وضع الله عنهم الجهاد فكيف بمن تعذر بأعذار في معظمها ليست صحيحة وليست مقبولة ولا تسقط عنه قيامه بالواجب.
يا شباب الأمة: هبُّوا لنُصرة دينكم وسارعوا لإعداد أنفسكم ولا تتأخروا عن القيام بالمهمات العظام فالأمر جد خطير والأمة بحاجة إليكم لأنكم عمودها الفقري الذي تتقوى به في مواجهة أعداء الإسلام الذين يتربصون بهذا
(1) لم أعثر لهذا الحديث على تخريج، والنص الذي وجدته قول النبي - صلى الله عليه وسلم:"ادفنوا هذين المتحابين في الدنيا في قبر واحد"وهي رواية ضعيفة.