فهرس الكتاب
الدين ويريدون القضاء عليه ... أليس عمرو بن الجموح - رضي الله عنه - أحق بالقعود فلماذا لم يقعد؟ ألم يكن معذورًا وشيخًا كبيرًا و أعرجًا فلماذا كان يسابق؟ ألم يعذره النبي - صلى الله عليه وسلم - ويضع عنه الجهاد فلماذا أصرَّ؟ ألم يشارك أولاده في الجهاد وهم يقاتلون عنه فلماذا خرج بنفسه؟ أسئلة كثيرة أود أن اسمع الإجابة عليها. عندما يكبر الإنسان في السن يقال أنه يتمسك بالحياة أكثر لأنه يشعر بقرب موته أما سلف الأمة فعلى العكس تماما لأننا لا نرى ولا نسمع منهم إلا المواقف البطولية المشرّفة ... ... نعم إنها مواقف الرجال الذين ينتمون لهذه العقيدة بكُلِّيَّتهم لم يكن انتماؤهم انتماءً جزئيًا أو انتماءً وفق المزاج أو حسب المصلحة والأهواء ... ... وهذا مثال آخر يسطِّر لنا صاحبه كل معاني العزة والبطولة والإقدام إنه أبو طلحة الأنصاري - رضي الله عنه - والذي كان يقرأ في سورة براءة حتى بلغ هذه الآية چ ? ? ? ? ? پ ... پ پ پ? ? ? ? ? ? ... ? چ التوبة: 41، قال أبو طلحة: يأمرنا الله أن نخرج خفافًا وثقالًا، شبابا وكهولا ... ما سمع الله عذر أحد وقال لبنيه: أي بَنِيَّ جهزوني جهزوني جهزوني يعني للجهاد فقال له بنوه: يرحمك الله قد غزوت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى مات ومع أبي بكر حتى مات ومع عمر حتى مات فنحن نغزوا عنك قال: جهزوني فجهزوه بجهاز الحرب فغزا في البحر فمات في الطريق فلم يجدوا له جزيرة يدفنوه فيها إلا بعد سبعة أيام وأبو طلحة مسجى بينهم لم يتغير فيهِ كأنه نائم ... آهٍ لك يا شهادة من فاز بك فاز بالريادة ومن أحجم فهو في نقصان نعوذ بالله من الخسران ... شيوخ وكهول ... نفير وجهاد ... بطولات وتضحيات ... إقبال على الموت واستعداد للمواجهة ... عزة وكرامة وشرف ورجولة ... عقيدة وتوحيد وولاء وبراء وجهاد وشهادة و حاكمية لشريعة الله ... مسارعة إلى الخيرات وحمل للرايات وبذل للنفوس والأموال والإمكانات ... جنة ورضوان ورب غير غضبان ونيل للدرجات وفوز بالجنان ... أمنيات وكرامات و أجور وحسنات وغيرها كثير من المكرمات ... ألا يستحق من بادر وركب البحار أن يدخل الفردوس الأعلى بإذن الله تعالى؟ ألا يستحق أن تتحقق له الكرامة في الدنيا ثم ينال الدرجات في الآخرة؟ أحداث ورجال كانت وكانوا فتزينت الأحداث بهم فصاروا رموزا لتلك الأحداث ... هكذا كان السلف فكيف بنا نحن الخَلَف؟ كانوا رجالا إذا ماتوا بقوا أحياء لأن الحي ليس فقط من يتنفس ويأكل ويشرب ويتزوج إنما الحي من أحيا بموته أمة وأيقظ بموته النيام من سباتهم ... لأن كثيرا من الأحياء حكمهم وواقعهم هو حكم وواقع الأموات لأنهم لا يتحركون عند الشدائد ولا يبادرون عند العظائم كما أن أصحاب القبور لا يتحركون فهم كذلك في سباتهم لا يتحركون لأن الحياة الحقيقية هي الحياة مع الإيمان وفي رحاب التوحيد أما غير ذلك فهو موت وإن كان صاحبه يمشي ويأكل ويشرب ويتزوج كما جاء في الحديث"مثل الذي يذكر الله والذي لا يذكر الله كمثل الحي والميت" [1] أو كما قال - صلى الله عليه وسلم - .. إن الذاكر لله حي وإن الذاكر والمعظم لغير الله ميت حتى لو تنفس ... سلف الأمة يعيشون بيننا من خلال جهادهم وبطولاتهم وكأنهم يقولون لنا سيروا في طريقنا تكونوا مثلنا وتنالوا ما نلنا ... كيف كانت هممُ وعزائمُ كهولُ وشيوخُ السلفِ وكيف هي همم وعزائم شبابنا اليوم؟ إن حالنا لن يصلح ولن يتغير إلا إذا غيرنا ما بأنفسنا فجعلناها أنفسًا تعمل للآخرة وتجاهد وتقاتل وتطلب الشهادة من أجل إرضاء ربها ورفع رايتها ... إن راية التوحيد المجاهدة لا تحتاج فقط إلى من يرددها على لسانه دون عمل صحيح إنها أفضل الذكر ولكنها لا تقتصر على الذكر فقط كما تفعل بعض فرق الصوفية إنما هي عقيدة وذكر ومنهج حياة ودستور، تزرع في
(1) الصحيح قوله - صلى الله عليه وسلم:"مثل البيت الذي يذكر الله فيه والذي لا يذكر الله فيه مثل الحي والميت"رواه مسلم.