المجاهدون حتى باتت أقوى جيوش الأرض ضعيفة وحائرة وخائرة أمام ضربات المجاهدين عبر استخدام ما يعرف بحرب العصابات ... وحتى يكتمل هذا النصر لجيش التوحيد وتكتمل الهزيمة لجيش الصليبيين لا بد من زيادة للصبر والثبات وزيادة التمسك بدين التوحيد وبجيش التوحيد فقد صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:"إن النصر مع الصبر، وإن الفرج مع الكرب وإن مع العسر يسرا".. [1] فالصبر الصبر أيها المجاهدون فإن الصبر مفتاح النصر ومفتاح الفرج ومفتاح التمكين ومفتاح كل خير بالرغم من قلة السالكين في طريق التوحيد والجهاد فعلينا بالصبر كما قال تعالى: {وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ} يوسف: 103، فطريق الحق قليلة الإتباع وهم مع قلة عددهم ينتصرون بصبرهم وصموده وثباتهم على طريق الحق حتى لو قل الإتباع وقلت حيلتهم وكانوا ضعفاء فإن هؤلاء هم أتباع الرسل وهم كتيبة الحق التي يتنزل عليها النصر لأنهم أقرب الناس إلى الله وأبعد الناس عن الدنيا وأسرع الناس إلى البذل والعطاء وأول الناس في صفوف الصلاة والقتال فهم أهل الله تعالى وأهل عبادته مع كونهم في غالبيتهم من الفقراء والضعفاء، يقول عليه الصلاة والسلام:"وهل تنصرون إلا بضعفائكم" (البخاري) ... فالضعفاء هم في الغالب أتباع الرسل والأنبياء حتى أن قريشًا قد تذرعت بعدم إتباع النبي - عليه السلام - بأن أتباعه من الفقراء والمساكين والضعفاء كعمار وبلال وصهيب وسلمان - رضي الله عنهم - أجمعين وكذلك بقية الرسل فهذا نوح - عليه السلام - الذي دعا قومه مئات السنين فما آمن معه إلا قليل وكانت حجتهم كما غيرهم من الأقوام {قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ} الشعراء: 111، هذه حجة قوم نوح التكبر على أتباع الأنبياء ورفض الجلوس معهم ومشاركتهم مشاعر الإيمان وشعائر الإسلام ولذلك فقد أمر الله تعالى نبيه - عليه السلام - بالصبر مع الضعفاء كما قال تعالى: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} الكهف: 28، وإن الصبر مع الضعفاء سنة مطردة كانت مع كل الأنبياء حتى أن بعض الأنبياء أو كثيرًا منهم لم يحققوا انتصارات مادية على وجه الأرض وإنما كان نصرهم بثباتهم وتمسكهم بعقيدتهم كما قال - عليه السلام:"يؤتى بالنبي يوم القيامة وليس معه أحد" [2] أو كما قال - عليه السلام - ... تخيل أخي في الله نبي برسالة ومعجزة وتأييد من الله تعالى ثم بعد كل ذلك يأتي وحيدًا يوم القيامة لم يستطع أن يستقطب شخصًا واحدًا لدعوته ومع ذلك فإن هذا النبي قد انتصر انتصارًا يذكر على الأرض، إذن الصبر والثبات على الحق هو بحد ذاته انتصار للدعوة وأهلها يقول تعالى: {إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ} غافر: 51، فلا يحزن من رأى قلة جنود التوحيد في هذا الزمان وليستبشر خيرًا ما دام جنود التوحيد على عقيدتهم محافظين ولسلامهم حاملين فإن مسألة النصر تبقى مسألة وقت وأن الله ناصر دينه وحافظ دينه ولن يضيع أولياءه مع ذلك لا بد للموحد أن يتوقع كل النتائج وأن يحسب لكل شيء حساب حتى يبتعد عن الوقوع في الأخطاء وقد يتعرض جيش التوحيد لبعض الهزائم المادية من خلال خسارة بعض المعارك هنا أو هناك فإن ذلك إن وقع لا قدّر الله فإنه بلاء وامتحان جديد يضاف إلى تلك الابتلاءات العظيمة التي يتعرض لها جيش التوحيد فقد تعرض جيش النبي - عليه السلام - لشيء من ذلك كما حدث في غزوة أحد، عندما وضع النبي - عليه السلام - خمسين من الرماة على سفح جبل أحد لحماية جيش المسلمين من الخلف وأمّر عليهم عبد الله بن جبير - رضي الله عنه - وقال لهم - عليه السلام:"قوموا على مصافّكم هذه فاحموا"
(1) رواه الطبراني في المعجم الكبير، والحاكم في المستدرك وغيرهم، والحديث بهذه الرواية فيه ضعف.
(2) متفق عليه.