فهرس الكتاب

الصفحة 288 من 604

-صلى الله عليه وسلم - كما حدث في ليلة العقبة عندما جاء الأنصار إلى مكة فتسللوا واختفوا بعيدا عن أنظار المشركين في سرية وكتمان يقول كعب بن مالك - رضي الله عنه:"نمنا تلك الليلة في رَحْلِنا حتى إذا مضى ثلث الليل خرجنا من رحلنا لميعاد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فتسللنا تسلل القطا مُتخفّين واحدا واحدا في ظلام الليل" [1] ، هكذا كان جنود السلف يهتمون بالأمن والكتمان حتى وفقهم الله تعالى في بطولات وانتصارات لم يشهد التاريخ لها مثيلا ومع كونهم ثقاةً وهم من خيرة البشر بعد الأنبياء إلا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا خرج في غزوة ورَّى بها أي أعطى اتجاها معاكسا لجهة الغزوة حتى يتوهم البعض أنه يريد الذهاب شمالا وهو في الحقيقة يريد الجنوب والمسألة ليست مسألة تخوين وتشكيك في صفوف الجنود فالعياذ بالله من ذلك لكونهم الصحابة - رضي الله عنهم - وإنما هو الأخذ بالأسباب من أجل الحفاظ على الأسرار كما قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا} النساء: 71، وإن أخذ الحيطة والحذر و تبني إستراتيجية السرية و عدم تسريب المعلومات لا يعني ذلك القعود والانكماش على الذات بحجة الدواعي الأمنية و المحافظة على الأسرار ولكن المطلوب هو العمل بجدٍ ونشاطٍ مع أخذ الحيطة والحذر والتعلم من التجارب السابقة فكل جندي وقعت معه عدة حوادث وأخطاء، و بعض هذه الأخطاء يمكن الاستفادة منها، والتجربة من أهم الأمور التي تزيد في خبرة المجاهد الأمنية وإن السرية تحفظ الجماعة من الداخل فلا تنكشف المخططات ولا تعرف النوايا المستقبلية وتحفظ الجماعة كذلك من الخارج فلا يدخلها الخونة والجواسيس والمتربصين بها ... يقول - صلى الله عليه وسلم:"استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان" [2] ، فقضاء الحاجات سرا خير من قضائها جهرا ... قد يكون بعض الجنود لا يهتم بالأمن بحجة أنه لا يوجد ما يخسره أو يخاف عليه صحيح أنَّ الجندي الموحد لا يخشى إلا الله تعالى وهو يرضى بقضاء الله وقدره ويسلم بقضاء الله ومع ذلك يهتم بالسرية إنْ لم يكن من أجله هو فمن أجل جيشه وجماعته فمثلا من أراد القيام بعمل استشهادي قد يكون الأمر عنده ليس مهما لكونه سيموت حتى لو انكشف أمره ولكن هذا خطأ لكونه بقلة أمنه أو بخطوة متسرعة منه قد تؤدي إلى كشف مجموعته وإلحاق الضرر بإخوانه وإحباط العملية لذلك كان الأمن مطلوبا ليس فقط من أجله بل من أجل الجماعة كلها والجيش بأسره ... وإن كانت السرية مطلوبة في الماضي ويحتاج إليها المجاهدون فإنها اليوم صارت مطلبا أكثر أهمية وحاجة ضرورية وذلك بسبب قوة وإمكانيات الهجمة الصليبية التي تواجهها الأمة وتطور أساليب المراقبة والمتابعة والتجسس حتى أنك لو اتصلت اتصالا مع أحد الإخوة وقرأت عليه هذه الآية {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا} طه: 105، فإنك ستصبح إرهابيا من الطراز الأول وإنك إذا ذهبت إلى مكتبة أو دخلت على موقع على الانترنت وطلبت كتاب"الأربعين النووية"ستصبح من قادة الإرهاب في العالم ولو أنك كتبت رسالة إلى زوجتك وقلت لها: هل وصلت الحمامة عندكم فهذا يعني أنك تريد الاطمئنان على شحنة السلاح وهكذا حتى أصاب أعدائنا ما يعرف اليوم في عالم السجون"بالهوس الأمني"وهو مرض نفسي يصيب بعض السجناء بحيث تصبح عندهم حالة من الإرباك تجعلهم يشعرون بأنَّهم مراقبون وأنَّ التنظيم يريد أن يحقق معهم لكونهم جواسيس فيتعامل مع كل حركة أو سكنة أو كلمة تجاهه بريب وهو في الحقيقة بريء ليس له علاقة بالجاسوسية وهذا هو حال أعداء الأمة صارت عندهم أمراض مضاعفة من الهوس الأمني وذلك بسبب نجاحات المجاهدين العظيمة وقدرتهم على اختراق أجهزتهم الأمنية ووسائلهم الدفاعية فمن كان يتوقع أن

(1) لم أجد لهذه الرواية تخريجا، حتى عند البحث على شبكة الانترنت.

(2) رواه الطبراني وضعف سنده الحافظ عبد الرحيم العراقي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت