فهرس الكتاب
ومدافعًا عنه فهو لا يترك فرصة مناسبة يمكن من خلالها كسب الناس لعقيدة التوحيد، تخيل أخي أنه كان - عليه السلام - يستخدم في إقامة الحجة عليهم أساليب ذكية جدا ثم بعد ذلك يستخدم كلمات وعبارات قاسية وكأنه لا يحسب لهم أي حساب وكأنه ليس أسيرًا في أيديهم وكأنهم لا يستطيعون قتله أو تعذيبه، كيف كان إيمانه - عليه السلام -؟ وكيف كانت عقيدته؟ ألا يستحق من كانت لديه هذه القوة الإيمانية أن يكون أمة أو إمامًا؟
إخواني في الله: إن العقيدة تصنع رجالًا بمواصفات لا تتوفر في كل جيوش الأرض، إنها تصنع جنودا إذا وقعوا في الأسر فهم أحرار بإيمانهم بالله وإذا قُتلوا فهم شهداء في سبيل الله وإذا أُبعدوا فهم دعاة إلى دين الله، لا يعرفون الهزيمة أو الانكسار حتى في أصعب الأحوال والظروف، أتريد ظرفًا وواقعًا أصعب من الواقع الذي مرّ به سيدنا إبراهيم - عليه السلام -؟ فهو في أيديهم وتحت قبضتهم وهو بمفرده وهم يمتلكون السلاح والجنود والسلطة والإعلام والمال فهم من ناحية مادية وعسكرية أقوى منه بكثير ولكنه بإيمانه بالله وثباته على توحيده استطاع أن يهزم كل تلك الجموع، حتى بعد وقوع إبراهيم - عليه السلام - في قبضة أعداء التوحيد ظل مستمرًا في دعوته منكرًا لعبادتهم الأصنام مستخدمًا أشد وأعنف العبارات {أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ} الأنبياء:66 - 67، كلمات تهز أركان الشرك وتُرعب جنود إبليس وتجعل منهم أقزامًا أمام إرادة التوحيد الصلبة والقوية، ألا ترى أيها الموحد أن رؤوس المشركين أمام تلك الكلمات قد نكست إلى الأرض وأن أنوفهم قد مُرغت بالتراب وكأنك عندما تسمع تلك الكلمات التي قالها إبراهيم - عليه السلام - تشعر وكأنه قائد لملايين الجند ولديه ملايين القطع العسكرية من طائرات ومدافع وصواريخ وغيرها من الأدوات القتالية وكأنه هو الآسر وهؤلاء الطغاة هم من في الأسر، هم المأسورين ولست أنت يا إبراهيم، هم المهزومون ولست أنت، هم المغلوبون ولست أنت، حتى لو امتلكوا أسباب القوة المادية فهم الخاسرين، إنه النصر الإلهي الذي يؤيد به عبادة الموحدين كما قال تعإلى: {وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ} الأنعام:83، ومع هذا الصمود وهذا التحدي ثارت ثائرة أعداء التوحيد فأصدروا على إبراهيم - عليه السلام - حكمًا بالإعدام حرقًا حيث قال تعإلى: {قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ} الأنبياء:68، قاتل الله قادة جيش الشرك الذين أصدروا تلك الأحكام الجائرة على الموحدين، لم يكن بوش هو أول من أصدر أحكامًا بالإعدام على الموحدين فلقد سبقه في ذلك أجداده من قادة الشرك، لأن سياسة المشركين واحدة وأهدافهم واحدة منذ أن خلق الله الخلق وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وإن تغيرت الأسماء وتبدلت الألقاب والله المستعان، ثم لننظر إلى الصيغة التي استخدمها الطغاة وهم يصدرون الحكم على إبراهيم - عليه السلام -"حرقوه"بصيغة المبالغة وكأنهم لا يريدون الاكتفاء بإحراقه بشكل عادي كما يُحرق الناس وإنما يريدون حرقه بطريقة غير عادية من شدة حقدهم على التوحيد والموحدين، هي معركة عقدية منذ القِدم على التوحيد لاستئصاله ولاقتلاعه من جذوره بكل ذلك الحقد الدفين الذي يظهر في كثير من الأحيان خاصة عندما تُغلق السبل أمام الطغاة وتُقام عليهم الحجج الدامغة فيلجئون عند ذلك لأشد أساليب القمع والإرهاب من أجل تغطية فشلهم وإخفاء ضعفهم، يقول ابن