السائرين في طريق جيش التوحيد سيواجهون بأعداء كُثر ولن تكون طريق الدعوة أمامهم معبّدة بالزهور، إن الأثمان المدفوعة في معركة الحق والباطل هي أثمان كبيرة لأن سلعة الله غالية لأن سلعة الله هي الجنّة.
أعود للمعركة القائمة بين قائد التوحيد إبراهيم - عليه السلام - وبين أهل الأرض أعود لتلك المحاكمة الظالمة التي تحاكم التوحيد من خلال محاكمتها لقائده، أعود لذلك الحقد الأسود الذي يملأ قلوب المشركين على التوحيد والموحدين، هم يريدون إحراقه بنار حقدهم الأسود، يريدون حرقة بطريقة غير عادية لذلك أشعلوا نارًا ليست عادية، هي محاكمة بدأت قبل آلاف السنين وتتواصل جلساتها إلى اليوم، هي المحكمة ذاتها التي تصدر الأحكام على الموحدين في هذه الأيام، هم القضاة ذاتهم مع اختلاف في الأسماء والألقاب، هي الإعدامات ذاتها مع اختلاف في بعض الوسائل، وقد تكون أحكام ومحاكم اليوم أكثر ظلمًا وأكثر طغيانًا وأكثر إجرامًا، والله المستعان، إبراهيم - عليه السلام - يقف لحظاته الأخيرة يتأمل هذا الكون قبل أن يقع في النار وفجأة تعطى الإشارة لجنود الشرك من قبل قادة التحالف الشركي بأن نفذوا قرارا الإعدام، يبدأ المنجنيق الذي وُضع فيه إبراهيم - عليه السلام - يتحرك، ينطلق بسرعة كبيرة، إبراهيم - عليه السلام - يطير في الهواء، هي المسافة بين قذف المنجنيق وبين أن يصل إلى النار، إنها أصعب لحظاتٍ قد تمر على إنسان، إنه طيران صعب وطيران لا يتمنى الطائر فيه أن يهبط أبدًا، لأنه هبوط يعني موته وفناءه، إن هذا الهبوط يساوي الموت، هل يحب أحد أن يهبط هبوطًا كهذا؟ لنرى كيف كان إبراهيم - عليه السلام - وهو في الهواء هل يا ترى سيطلب الإسعاف والدفاع المدني وقوات الطوارئ الدولية، أم أنه سيطلب اجتماعًا طارئًا لمجلس الأمن وللأمم الملحدة المتحدة؟ أم أنه سيقدم شكوى لجامعة الدول العربية وأمينها العام؟ أم أنه سيطلب محامي دفاع يدافع عنه لعله يُثبت براءته، أم أنه سيستنجد بالقادة والمسؤولين وبجمعيات حقوق الإنسان؟ بمن سيستنجد؟ وبمن سيستغيث؟ من أين سيطلب العون؟ هل سيهدد وسيتوعد وسيقسم أنه سينتقم؟ لنتخيل أننا ننادي عليه وهو في الهواء، نعرض عليه مقترحات جديدة نحاول أن نجنبه الموت المتحقق بعد لحظات حسب ما نعتقد، نقول له يا إبراهيم - عليه السلام - يمكنك تدارك الموقف يمكنك أن تتفاوض معهم يمكن إيقاف الحملة ضدك، يمكنهم أن يخرجوك منها أن يلقوا عليك بالماء، يمكنهم أن يساعدوك فماذا تقول في مبدأ المفاوضات لكن تذكر أن هذه المفاوضات سيكون فيها بعض التنازلات، ماذا ستكون ردّة فعله؟ أرى أنه لن يرد على هذه التفاهات لأنه لو أراد ذلك لفعله قبل أن يكون في الهواء لعل بعض الحاضرين في الميدان يتساءلون، ألا يسمعنا؟ لماذا لا نسمع منه أي رد؟ ألا يعلم أنه محروق ولحظات تفصله عن كونه رماد؟ وكأننا لا ننادي عليه وكأنه ذاهب في نزهة وكأن طيرانه نوع من الترفيه أو الاستجمام أو التحليق كما تحلق الطيور، نراه لا يكترث بشيء لعل الصدمة أسكتته أو لعل هول الموقف وصعوبة المشهد كانا السبب في سكوته أو لعلنا لا نسمع ما يقول، لننادي عليه مرة أخرى فهو يقترب شيئًا فشيئًا من تلك النار العظيمة ويجب علينا أن نفعل شيئًا، يا إبراهيم - عليه السلام -، يمكنك طلب الرحمة أو ما يسمى بالاسترحام، يمكنك مناشدتهم حاول أن تتودد إليهم أو أن تقول لهم بعض كلمات المدح، قل لهم إنك لم تقصد إيذاء آلهتهم، قل لهم أي شيء، لا تعترف بفعلتك فيزداد غضبهم عليك حاول أن تتملص، يبدو أن كل تلك الأصوات النشاز لا تصله أو أنها تصله ويسمعها ولكنها لا قيمة