لها عنده، ما أكثر هذه الأصوات المتساقطة في هذا الزمان، وما أكثر الإرجاف والتخذيل في تلك الأصوات فهي لا تُتقن إلا لغة المسالمة والمصالحة والمصالح وضبط النفس وعدم التسرع والمحافظة على الإنجازات وكأن الحفاظ على العقيدة هي أكبر وأهم إنجاز يمكن أن يحققه إنسان، ها هي أصواتهم تتعإلى مستنكرة ومجرّمة لأحداث الحادي عشر من سبتمبر تحت دعوى أنها جلبت للعالم الإسلامي الكوارث وكأن عالمنا الإسلامي قبل تلك الأحداث المباركة والتي أسأل الله تعإلى أن يتقبل منفذيها في الشهداء وأن يحفظ مخططيها وأن يعينهم على إنهاء المهمة بكسر الصليبيين وأعوانهم من المرتدين، وكأن الأمة لم تكن قبل ذلك تحت الاحتلال المباشر في فلسطين والشيشان والخليج العربي، وغير المباشر عن طريق الأنظمة المرتدة التي سُلّطت على رقاب المؤمنين من قبل الصليبين، وكأن الأمة كانت تعيش بأمن وأمان ولم تكن هناك أي مشاكل قبل تلك الأحداث أو لعل فلسطين لم تكن محتلة قبل تلك الأحداث وكأن كل مصائب الكون لم تكن وقعت إلا بعد تلك الأحداث، وهكذا استغل المخذلون ذلك لكي يروجوا لتلك البضاعة الفاسدة والكاسدة، ولم يكتفوا بذلك بل عمدوا للطعن في المجاهدين وفي أحلامهم واتهامهم بأنهم مرتبطون ارتباطات مشبوهة والعياذ بالله، وبأنهم إرهابيون وقتله والعروبة والإسلام براء من هؤلاء المتطرفين، قاتل الله تلك الألسن المسمومة وتلك الحناجر المتطفلة والتي تحاول اتهام الضحية وتحميلها مسؤولية ما يحدث وتحويل القاتل إلى بريء ومسكين وهذا ما يحاول فعله أنصاف الرجال وأشباه الرجال في هذا الزمان ومنهم وللأسف الشديد من يُحسب على الإسلاميين وهم في حقيقة أمرهم أبواق للصليبيين.
ولعل من ينادي على إبراهيم - عليه السلام - وهو يطير في الهواء هو أحد تلك الأصناف، تتواصل النداءات ولكن إبراهيم - عليه السلام - لا يجيب، بعد لحظات يقول أحد الحاضرين، أسمع همسات أو كلمات من فم إبراهيم - عليه السلام -، ماذا تقول يا إبراهيم؟ إنه يردد كلمة واحدة"حسبي الله ونعم الوكيل"، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال:"حسبنا الله ونعم الوكيل"قالها إبراهيم عليه الصلاة والسلام حين ألقي في النار، وقالها - صلى الله عليه وسلم - حين قالوا: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ} آل عمران:173 [1] ، وفي رواية أخرى في صحيح البخاري أنه قال:"كان أخر قول إبراهيم - عليه السلام - حين أُلقي في النار: حسبنا الله ونعم الوكيل"، نعم إنها كلماته الأخيرة قبل أن يدخل المحرقة، هو لم يلجأ على أحد من البشر أو من الملائكة أو من القرابة أو العشيرة، هي كلمات عظيمة من قالها موقن بها أنجاه الله تعإلى من كل كرب قال تعالى: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (36) وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ} الزمر: 36 - 37.
إن إبراهيم - عليه السلام - يعلمنا في هذا المقام درسًا آخر من دروس التوحيد إنه درس اليقين والتوكل على الله تعإلى ويا له من درس عظيم، آه ما أعظم اليقين وكأنه الظلّة التي تظلل التوحيد وكأنه الغطاء الذي يحمي التوحيد وكأنه الساتر الذي يحفظ التوحيد من أي عدو أو اختراق، هو تجسيد لكل معاني التوحيد هو تطبيق عملي
(1) رواه البخاري في صحيحه.