فهرس الكتاب

الصفحة 325 من 604

لعقيدة التوحيد هو اختبار لمدى تأثير التوحيد على السلوك في الشدائد والمصائب والكوارث، نعم إنها الشدائد إنها الامتحانات الصعبة والاختبارات القاسية التي لا يتجاوزها إلا أصحاب اليقين.

إخواني في الله: إن الإخلاص لله تعإلى من أعظم مميزات وواجبات المجاهد فكلما حقق المجاهد الإخلاص لله أكثر كلما ارتفع وانتصر وأثمر ثم تأتي مدرسة اليقين التي تجعل من المجاهد المخلص صاحب الهمة جبلًا وصخرةً تتكسر أمامها كل الأمواج العاتية والرياح القوية، لذلك قال الإمام وشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين) ولقد نال إبراهيم - عليه السلام - الإمامة في الدين بالصبر واليقين، فكيف هي أحوالنا مع اليقين؟ أخشى أن نكون على خطر عظيم، اللهم سلّم سلّم، ها هو إبراهيم - عليه السلام - تنقطع به أسباب الأرض فيتعلق بأسباب السماء فتفتح له أبواب السماء فيدخل دخول الكرماء فكيف كان يقينه، كيف استطاع أن يتمالك نفسه؟ كيف كان شعوره قبل أن يقع في النار بأمتار قليلة، كيف كان شكله وهو يردد حسبي الله ونعم الوكيل، تجتمع عليه الأرض كلها فيتآمر أهلها عليه فيتعلق بالله تعإلى، يا لروعة وجمال وعظمة ذلك الموقف، نار عظيمة وكأنها تشبه البناء الضخم كما قال تعالى: {قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ} الصافات:97، يشترك أهل الأرض في إشعالها وجمع الحطب لها وإبراهيم - عليه السلام - بمفرده وهو مقيّد حتى أنهم من شدة لهيب النار ألقوه فيها بالمنجنيق خوفًا من أن يحرقهم لهيبها، أمام ذلك المشهد، يا لهول ذلك المشهد لم يقل إبراهيم - عليه السلام - غير هذه الكلمات:"حسبي الله ونعم الوكيل"اللهم ثبتنا إذا ابتليتنا، فهل يا ترى نفعته تلك الكلمات، قد يقول البعض مسكين يا إبراهيم لم تستجيب لنداءاتنا ألم نقل لك تراجع ألم نقل لك اقبل بشروطهم، ألم نقل لك أنه يمكنك التفاوض معهم؟ ها أنت تحترق الآن، وبعد لحظات ستصبح رماد وكيف لا تصبح رمادًا وأنت في وسط هذه النار العظيمة، يقول أحد الحاضرين: لقد سمعت في إحدى الفضائيات خبرًا عاجلًا بأن إبراهيم - عليه السلام - لم يحترق وبأن النار لم تعد نارًا بل أصبحت مكانًا للترفيه وهو يأكل ويشرب فيها وهي برد وسلام عليه، يا أيها الناس: إن إبراهيم - عليه السلام - قائد جيش التوحيد لم يحترق إنه حيّ يرزق إن النار لم تأكل سوى القيود التي وضعت في يديه ورجليه، يمكث في النار أيامًا عديدة ذكر ابن كثير رحمه الله في تفسيره عن المنهال بن عمرو قال: أخبرت أن إبراهيم ألقي في النار، قال فكان فيها إما خمسين وإما أربعين، قال: ما كنت أيامًا وليالي قط أطيب عيشًا إذ كنت فيها وددت أن عيشي وحياتي كلها مثل عيشي إذ كنت فيها" [1] ، أيام طويلة يمكث في نار عظيمة ثم لا تحرقه وفوق أنها لم تحرقه فهو يتمنى أن تكون حياته كلها كما كانت أيامه وهو في النار، ما الذي يجري؟ أترى هي نار تشبه نيران الألعاب النارية؟ أم أن إبراهيم - عليه السلام - لم يكن في النار وإنما كان في رحلة استجمام ما الذي يحدث؟ تكثر التساؤلات بين الحاضرين يريدون معرفة الحقيقة، لأن الأسئلة كبيرة والمسألة محيّرة فهم لا يستطيعون التشكيك في وجود النار لأنها أمامهم وهم يشاهدونها فهي نار حقيقية هم يشاهدونها لا يستطيعون إنكارها أو التشكيك فيها، ولكنها مع أنها نار حقيقية فهي لا تحرق، هذا يجعل الحاضرين في حيرة من أمرهم، كيف"

(1) تفسير ابن كثير ج 3 - ص 1219.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت