فهرس الكتاب

الصفحة 337 من 604

وقدوة الشاكرين عليه الصلاة والسلام، محمد - صلى الله عليه وسلم - جوادًا فهو أكرم خلق الله وأجود البرية نفسًا ويدًا لا يعرف"لا"إلا في التشهد كما قال أحد الشعراء:

ما قال لا قط إلا في تشهده ... ولولا التشهد كانت لاؤه نعم

فقد كان عليه الصلاة والسلام يعطي عطاء من لا تخشى الفقر، ينفق مع العدم ويعطي مع الفقر، يجمع الغنائم ثم يوزعها في ساعة ولا يأخذ منها شيئًا، كان يعطي كل رئيس قبيلة من العرب مائة ناقة حتى سأله سائل ثوبه الذي يلبسه فخلعه وأعطاه إياه، مائدته معروضة لكل قادم وبيته قبلة لكل وافد وكان يأمر بالإنفاق والكرم والبذل ويدعو للجود والسخاء ويذم البخل فيقول عليه الصلاة والسلام:"من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه" [1] ، محمد - صلى الله عليه وسلم - شجاعًا هذا مما تناقلتها الأخبار شرقًا وغربًا وسار مسيرة الشمس في رابعة النهار فكان أثبت الناس قلبًا لا يخاف التهديد ولا الوعيد ولا ترهبه المواقف والأزمات ولا تهزّه الحوادث والملمات، فوّض أمره لربه وتوكل عليه وأناب إليه ورضي بحكمه واكتفى بنصره ووثق بوعده، فكان عليه الصلاة والسلام يخوض المعارك بنفسه ويباشر القتال بشخصه يُعرّض روحه للمنايا ويقدم نفسه للموت، لا يفر من معركة ولا يتراجع خطوة ساعة يحمى الوطيس، بل على العكس تجده أقرب أصحابه من الخطر لا يكترث بالعدو ولو كثر عدده، فقد فرّ الناس يوم حنين وما ثبت إلا هو وستة من أصحابه لأن الله تعإلى أنزل عليه {فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ} النساء: 84 وقد شج - عليه السلام - في وجهه وقُتل سبعون من أصحابه فما وهن ولا ضعف ولا تراجع، ولقد تكالبت عليه الأحزاب يوم الخندق فضاق الأمر وحلّ الكرب وبلغت القلوب الحناجر وزلزل المؤمنون زلزالًا شديدًا فقام - صلى الله عليه وسلم - يصلي ويدعو ويستغيث حتى نصره ربه وردّ كيد عدوه وأرسل عليهم ريحًا وجنودًا، ألا يكفي أن يقول - عليه السلام:"والذي نفسي بيده لوددت أنني أقتل في سبيل الله ثم أحيا ثم أقتل،" [2] ، محمد - صلى الله عليه وسلم - زاهدًا، لأنه علم وأيقن بفناء الدنيا وسرعة زوالها وقلة زادها وقصر عمرها وبقاء الآخرة وما أعده الله لأوليائه فيها من نعيم مقيم وأجر عظيم وخلود دائم، فرفض أن تكون الدنيا له دارًا مع أنها عُرضت عليها مرات ومرات بل آثر الزهد والكفاف، فربما بات جائعًا وتمر الأيام والأسابيع ولا يوقد في بيته نار وما شبع - عليه السلام - من خبز الشعير ثلاث ليال متواليات، وكان ينام على الحصير حتى أثّر في جنبه، وربط الحجر على بطنه من الجوع، وكان بيته من طين، وكان يقسم الأموال على الناس ثم لا يأخذ منها درهمًا واحدًا، ويوزع الإبل والبقر والغنم على الأصحاب والأتباع والمؤلفة قلوبهم ثم لا يذهب بناقة ولا بقرة ولا شاه، ولم يترك خلفه بستانًا ولا مزرعة وهو القائل - عليه السلام:"لا نورث ما تركناه صدقة" [3] ، وقال أيضًا:"مالي وللدنيا إنما مثلي ومثل الدنيا كمثل رجل قال في ظل شجرة ثم قام وتركها" [4] .

(1) أخرجه البخاري ومسلم.

(2) أخرجه البخاري ومسلم.

(3) أخرجه البخاري ومسلم.

(4) أخرجه أحمد وغيره، وقال الترمذي حديث حسن صحيح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت