فهرس الكتاب

الصفحة 338 من 604

محمد - صلى الله عليه وسلم - متواضعًا، لقد كان تواضعه - عليه السلام - عجيبًا لأنه عرف مهابة ربه واستحيا منه، فعظمه وقدره حق قدره فسافرت روحه إلى الله وهاجرت نفسه إلى الدار الآخرة، لذلك نراه دائم التواضع لأنه علم حقيقة عظمة الله وأن الكبرياء لا يكون إلا لله تعإلى فصار عبدًا لربه بحق فهو يخفض جناحه للمؤمنين، يقف مع العجوز ويزور المريض ويعطف على المسكين ويصل البائس ويواسي المستضعفين ويداعب الأطفال ويمازح الأهل ويكلم الأمة ويواكل الناس ويتوسد الحصير، فما طمع في شهرة أو منزلة أو مطلب أرضي أو مقصد دنيوي، وكان يحب المساكين ويجالسهم فقد كان يقول - عليه السلام:"اللهم أحيني مسكينًا وأمتني مسكينًا واحشرني في زمرة المساكين" [1] .

وكان - عليه السلام - يُعين أهله ويرقع ثوبه ويصلح نعله ويكنس بيته ويحلب شاته ويتناوب ركوب الراحلة مع رفيقه ويلبس الصوف ويأكل الشعير، ألا يكفي أن يقول الله عنه: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} التوبة: 128.

محمد - صلى الله عليه وسلم - حليمًا، ما دام أنه رسول رب العالمين فلا بد أن يكون أحلم الناس وأوسعهم صدرًا فقد كان - عليه السلام - يكظم غيظه ويعفو ويصفح ويغفر لمن زل، ويتنازل عن حقوق الخاصة ما لم تكن حقوقًا لله تعإلى فقد عفا - عليه السلام - عمن ظلمه وطرده من وطنه وآذاه وسبّه وشتمه وحاربه فقال - عليه السلام - لقريش يوم الفتح:"اذهبوا فأنتم الطلقاء" [2] ، وعفا كذلك عن أبي سفيان بعد أن وقف لسنوات في وجه الدعوة فكان - عليه السلام - لا يكافئ على السيئة بالسيئة بل يعفو ويصفح، وكان لا يغضب لنفسه ولا ينتقم لشخصه بل كان إذا غضب ازداد حلمًا وربما تبسم في وجه من أغضبه ونصح أحدًا من أصحابه فقال - عليه السلام:"لا تغضب لا تغضب لا تغضب" [3] ، وكان مع أهله أحلم الناس يمازحهم ويلاطفهم ويعفو عنهم ويدخل عليهم مبتسمًا ضاحكًا، يقول خادمه أنس بن مالك - رضي الله عنه: خدمت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عشر سنين ما قال لي في شيء فعلتها لم فعلت هذا؟ ولا في شيء لم أفعله لِمَ لَمْ تفعل هذا؟ وهذا غاية الحلم ونهاية حسن الخلق وقمة العفو، فقد كان كل من رافقه أو صاحبه أو بايعه يجد من لطفه وودّه وحلمه ما يفوق الوصف، حتى تمكن حبّه من القلوب فتعلقت به الأرواح ومالت إليه النفوس، ألا يكفي أن يقول الله تعإلى عنه: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ} آل عمران:159، محمد - صلى الله عليه وسلم - رحيمًا، بهذه الصفة وصفه ربه فقال تعإلى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} الأنبياء:107، فهو رحمة للبشرية جمعاء، رحمة على القريب والبعيد، رحمة على الصغير والكبير رحمة على الفقير والمسكين، رحمة على العصاة والمذنبين، رحمة على أهله وعلى أمته وعلى صحابته وعلى الناس أجمعين، هو نبي الأمة وخير البشر ومع ذلك يرى ولد إحدى بناته تفيض

(1) أخرجه الترمذي وغيره.

(2) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى وغيره.

(3) أخرجه البخاري.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت