فهرس الكتاب
روحه فيبكي فلما سُئل عن ذلك قال:"هذه رحمة يضعها الله في قلب من يشاء من عباده وإنما يرحم الله من عباده الرحماء" [1] .
كان - عليه السلام - إذا وقف إمامًا في الصلاة، فإذا أراد أن يطيل في الصلاة فيسمع بكاء الطفل فيخفف لئلا يشق على أمه، كان - عليه السلام - سهلًا لينًا ما خُير بين أمرين إلا أختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا فإذا كان إثمًا كان أبعد الناس عنه، وكان يحب الرفق في كل شيء حتى قال عليه الصلاة والسلام:"ما كان الرفق في شيء إلا زانه وما نزع من شيء إلا شانه" [2] ، فقد كان عليه الصلاة والسلام رحيم في رسالته ودعوته وعبادته وصلاته وصومه وطعامه وشرابه ولباسه بل في كل حياته، ألا يكفي أن يقول الله تعإلى عنه {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (1) وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (2) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (3) وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (4) فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (5) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (6) فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (7) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ} الشرح:1 - 8.
محمد - صلى الله عليه وسلم - ذاكرًا، فقد كان - عليه السلام - أكثر الناس ذكرًا لربه، حياته كلها ذِكر لمولاه، فدعوته ذكر وخطبه ذكر ومواعظه ذكر وعبادته ذكر وجهاده ذكر وفتاويه ذكر وليله ونهاره وسفره وإقامته بل وأنفاسه كلها ذكر لمولاه عز وجل، فقلبه معلق بربه، تنام عينه ولا ينام قلبه، كان يذكر الله تعإلى في جميع أحواله، كان يستغفر ربه في كل مجلس وعند كل حركة وفي ختام كل ندوة، حتى كان الصحابة - رضي الله عنهم - يَعُدّون للنبي - عليه السلام - عشرات الاستغفارات في المجلس الواحد، وقد كان عليه الصلاة والسلام يدعو الناس إلى ذكر الله تعإلى فقال عليه الصلاة والسلام:"مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكره كمثل الحي والميّت" [3] ، وقد قال - عليه السلام - عشرات الأحاديث الصحيحة التي تحث على الذكر وترغب فيه وتدعو إلى التهليل والتسبيح والتحميد والتكبير والاستغفار، محمد - صلى الله عليه وسلم - داعيًا، فقد كان - عليه السلام - دائم الدعاء لربه في كل حالاته وكان يُكبر الإلحاح على خالقه يناشده رحمته وعفوه ويطلب رضاه وجنّته، وكان - عليه السلام - يختار جوامع الدعاء الكامل الشامل كقوله:"اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار" [4] ، وكان - عليه السلام - يكرر الدعاء ثلاثًا ويبدأ بالثناء على ربه وكان يعلّم الأمة أدب الدعاء، وكان الله تعإلى يكرم نبيه - عليه السلام - بإجابة دعائه كما حصل معه - عليه السلام - على المنبر يوم استسقى فنزل الغيث مباشرة، ويوم شق له القمر وبارك له في الطعام والمال ونصره في حروبه ورفع دينه وأيد حزبه وخذل أعداءه وكبت خصومه، حتى حقق الله له مقاصده وأكرم مثواه ورفع منزلته وجعل العاقبة له - صلى الله عليه وسلم -، محمد - صلى الله عليه وسلم - صاحب الهمة والعزيمة فلقد وُلدت همته معه يوم وُلد فمنذ طفولته ونفسه مهاجرة إلى معالي الأمور ومكارم الأخلاق، لا يرضى بالعجز أو التكاسل ولا يحب السفاسف، بل هو الطموح السبّاق والمقدام المتفرّد، ولقد ذكر أهل السير أنه عليه الصلاة والسلام وهو طفل كان لجده عبد المطلب فراش في ظل الكعبة لا يجلس عليه إلا هو لمنزلته فجاء محمد - صلى الله عليه وسلم - فنازع الخدم حتى جلس عليه
(1) أخرجه البخاري ومسلم.
(2) أخرجه مسلم.
(3) أخرجه البخاري ومسلم.
(4) أخرجه البخاري ومسلم.