فهرس الكتاب
وأبى أن يجلس دونه، وكان - عليه السلام - قبل النبوة يحمل سمات الريادة والقيادة والأخلاق العالية حتى سماه أهله بالصادق الأمين، فلما منّ الله تعإلى عليه بالبعثة تاقت نفسه إلى الوسيلة وهي أعلى درجة في الجنة فسأل الله إياها وعلمنا أن نسألها له من ربه، وبلغ سدرة المنتهى، وحاز الكمال البشري والفضيلة الإنسانية، ومن علو همته رفضه للدنيا وعدم الوقوف مع مطالبها الزهيدة لولاياتها ومناصبها وقصورها ودورها، أدرك - عليه السلام - معنى قوله تعإلى: {وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى} الأعلى:17.
بدأ - عليه السلام - بمفرده فإذا هو أمة تزيد عن المليار وصارت خير أمة أُخرجت للناس، كم من مسلم مات منذ بعثته إلى اليوم وكم من مسلم يعيش اليوم وكم من مسلم سيموت ومسلم سيولد إلى أن تقوم الساعة، كل تلك المليارات ستسمى باسمه وستكون منتسبة لدعوته، إنها أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - التي بدأت برجل واحد فصارت بفضل الله تعإلى من أعظم الأمم وحكمت معظم الأرض لعشرات بل لمئات السنوات، ثم أن النبي - عليه السلام - بشر المسلمين بأن الله تعإلى زوى له الأرض مشارقها ومغاربها وأن ملك أمته سيبلغ ما زُوي له منها، أي أن الأمة ستحكم الأرض كلها بإذن الله تعإلى في يوم من الأيام.
مهما تحدثت عن همة محمد - صلى الله عليه وسلم - فلن أكون منصفًا ولن أفلح في رسم الصورة كاملة لأني لا أدري من أين أبدأ؟ فهل أبدأ من همته في الدعوة إلى الله تعإلى وتبليغ دين الإسلام للعالمين؟ أم أبدأ من همته في الصبر على الأذى وتحمل مشاق وتبعات الدعوة؟ أم أبدأ من همته في العبادة والطاعة أم أبدأ من همته في الجهاد وقتال الأعداء وتقدم الجبهات واقتحام الصفوف؟ أم أبدأ من حسن خلقه وصفحه وحلمه وتواضعه وعفوه وكرمه، إن حياة النبي - صلى الله عليه وسلم - كلها كانت حياة متميزة كانت حياة مليئة بالهمة والثبات والعزائم والمكارم، ولسوف يبقى المرء عاجزًا أمام تلك السيرة العطرة والحياة المباركة مهما كتب ومهما تحدث ومهما خط من مجلدات، إنها الكلمات العاجزة والصفحات الناقصة والعجز المتراكم وكيف نوفّه حقه والله تعإلى يقول عنه: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ} الأنفال:64، يا لروعة هذه الكلمات، حسبك الله فهو يكفيك من كل ما أهمك وهو يحفظك من الأزمات ويرعاك في الملمات ويفرج عنك الكربات، حسبك الله فهو ناصرك على كل عدو ومظهرك على كل خصم ومؤيدك إذا ذكرت وينصرك إذا حاربت ويوفقك إذا حكمت، حسبك الله فهو الذي يمنحك العزة بلا عشيرة والغنى بلا مال والحافظ بلا حرس، فأنت المظفر لأن الله حسبك وأنت المنصور لأن الله حسبك وأنت الموفق لأن الله حسبك فلا تخف من عين حاسد ولا من كيد كائد ولا من مكر ماكر ولا من خبث كافر، إذا سمعت صولة الباطل ودعاية الشرك ووعيد اليهود وتربص أتباع الصليب وكيد المنافقين وشماتة الحاسدين فاثبت لأن حسبك الله، إذا ولى الزمان وجفا الإخوان وأعرض القريب وشمت العدو وضعفت النفس وأبطأ الفرج فاثبت لأن حسبك الله، إذا داهمتك المصائب ونازلتك الخطوب وحفت بك النكبات وأحاطت بك الكوارث فاثبت لأن حسبك الله، إذا ألم بك المرض وأرهقك دين وحل بك فقر أو