فهرس الكتاب
وإنما الحديث عن مسائل عظيمة وخطيرة، فاحذر أخي من الإجابات التي قد تغضب الله تعإلى حتى لو كانت النتائج المتوقعة في خوضك للمعركة صعبة فلن تكون أصعب من الموت الذي يطلبه كل موحد إذا كان في سبيل الله تعإلى، ألا تطلب الشهادة؟ ألا تتمنى أن تلقى الله تعإلى وأنت مقتول دفاعًا عن دينك؟ هو ثمن ليس سهلًا أن يدفع وليس بالضرورة أن يدفعه الجميع ولكن المعركة فاصلة وحامية ولا ينجي فيها إلا الثبات فانذر من استطعت إنذاره وبلغ من استطعت تبليغه واصدع بالحق ولا تخشى في الله لومة لائم ها هو النبي - عليه السلام - ينذر أهل بيته وأهل عشيرته فور صدور الأوامر الإلهية يجمعهم وينذرهم أفرادًا وجماعات بأسمائهم وألقابهم لا يترك أحدًا منهم مهما بلغت عداوته للدعوة ولا يستثني منهم أحدًا بل ينذر أقرب الناس إليه والأبعد منه والأشد بعدًا وهكذا يعم الإنذار الجميع، وقد يسأل سائل لماذا جاء الأمر بإنذار العشيرة مع أنهم داخلون في الإنذار العام والصدع بالدعوة الذي كان لجميع البشر بما فيهم أهله وقرابته - عليه السلام -؟ فما الحكمة من خصوصية الأمر بإنذار العشيرة؟ لقد تحدثت سابقًا عن درجات المسؤولية أي أن المسلم يبدأ في الدعوة بنفسه ثم ينتقل إلى أهله المقربين منه وهم أهل بيته ثم الأبعد فالأبعد وهكذا حتى يدعو جميع الناس في كل مكان إذا أمكنه ذلك، فهل يعقل من داعية أن يدعو أبعد الناس عنه ويترك دعوة أقرب الناس منه؟ أيحرص الإنسان على إبعاد الناس الغير قريبين منه عن النار ويترك أهله يسقطون في النار؟ فليبدأ كل واحد منا بأهله ومن له قرابة به ثم ينتقل للأبعد فالأبعد حتى يصل إلى أقاصي الأرض شرقًا وغربًا، وهذا قد يجيز لنا أن نقسم الإنذارات إلى أنواع منها ما يكون خاصًا ومنها ما يكون عامًا والبداية تكون بالنوع الخاص ثم ينتقل الداعية للنوع العام وهذا الترتيب مأخوذ من هدي النبوة ومن الأوامر الربانية التي أُمر بها النبي - عليه السلام - منذ بداية الدعوة وأنا أتحدث عن منهج دعوي وليس عن أمور تفصيلية أي أن هذه الطريقة في الدعوة إلى دين الله تكون منهجًا عامًا لكل داعية مع ترك اختيار الموضوع والأسلوب والزمان والمكان والمدة التي سيتحدث فيها الداعية في الموضوع لتقديرات الداعية وفق زمانه ومكانه وقدراته والإمكانات المتوفرة لديه، ثم أن النبي - عليه السلام - لم يتوقف عند دعوة أهله وعشيرته بل صدع بالدعوة فدعا الناس أجمعين استجابة لأمر الله تعإلى: {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ} الحجر:94، حيث صعد عليه الصلاة والسلام على الصفا فجعل ينادي (يا بني فهر يا بني عدي حتى اجتمعوا فجعل الذي لم يستطع أن يخرج يُرسل رسولًا لينظر ما هو؟ فقال النبي - صلى الله عليه وسلم: أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلًا بالوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقي؟ قالوا: ما جربنا عليك كذبًا، قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد فقال أبو لهب: تبًا لك سائر اليوم ألهذا جمعتنا؟ فنزل قوله تعإلى {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ} المسد:1 [1] إعلان للدعوة بكل قوة، صدع بالحق بكل وضوح وبكل ثقة وبكل ثبات وبكل تأثير وبكل أسلوب مقنع فهو لم يعلن الدعوة بتردد أو بخوف أو بشكل فردي بل جمعهم ووقف في مكان بارز لكي يسمعه الجميع بكل وضوح وأعلن ذلك لم يتأخر ولم يؤجل ولم يبدأ بدراسة فقه المصالح والمفاسد لأننا إذا أردنا إدخال عقولنا وقياس الأوامر الربانية بناء على آرائنا فإننا بذلك ننحرف
(1) متفق عليه.