فهرس الكتاب
ومن عليها، معركة مكة ستستمر بعد موت النبي - عليه السلام - ولكنه هو من أعلنها وهو من قادها وهو من شكل نواة جيش الموحدين فيها فهل يا تُرى سيسكت الطغاة عن هذا الإعلان؟ بالطبع لا، لأنهم طغاة فكيف يسكتون عن إعلان دعوة الحق هل سمعت عن طاغية يقبل بأن ينشر موحد دعوته أو أن يقيم دولته أو أن يعلن رايته؟ هي ليست مسألة تحتاج لكثير استدلال لكونها واضحة وثابتة للجميع فأبناء الطاغية الأول فرعون وأحفاده لن يسكتوا عن أهل الحق وعن دعوة الحق وسيستخدمون كل مكرهم وحقدهم وقدراتهم للصد عن دين الله وأن لفرعون الأول أحفادًا وأشباهًا من قريش لذلك سيظهر طغيانهم مع بداية الإعلان، النبي - عليه السلام - يعلن أني نذير لكم بين يدي عذاب شديد، ثم لتذكر هنا كلمة الإنذار التي بدأ من خلالها التكليف وانطلق جيش التوحيد في مرحلته السرية، ها هي اليوم تُعلن أمام الملأ وعلى مسامع الطغاة بنفس اللفظ وبنفس الصياغة تقريبًا لكي تصل الأمانة كما هي، إنها أمانة التبليغ وأنها المفاصلة فلا مجال فيها لغير الكلمات القاطعة الواضحة التي تبين الحقيقة بدون مداهنة أو خجل أو تغيير أو تبديل، وهكذا بقيت هذه الكلمة هي الكلمة الأبرز عبر تاريخ دعوتنا منذ بدايتها من قوله تعإلى: {قُمْ فَأَنذِرْ} سورة المدثر: 2، {وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} سورة الشعراء: 14، إلى قوله عليه الصلاة والسلام"إني نذير لكم"وأحب هنا أن أشير إلى فائدة وهي أن كلمة الإنذار استخدمت في المرحلة السرية ثم استخدمت في المرحلة العلنية لكي يتضح من خلال ذلك أن ديننا واحد وأن عقيدتنا واحدة سواء في السر أو في العلن سواء في القوة أو في الضعف سواء في الهزيمة أو في النصر، الحقائق الكبيرة لا تتغير والثوابت ثابتة ولا تتزعزع قيد أُنملة والبوصلة موجهة نحو الهدف لا تحيد عنه ولا تميل ولا تتراجع، وما دفعني إلى هذه الإشارة هو ما لاحظته في بعض الحركات الإسلامية التي تربي أبناءها وشبابها على بعض الأفكار والمبادئ ثم إذا أرادوا إعلان أحد الأخوة داعية لمنهجهم فإنك تسمع منه كلامًا غريبًا بعيدًا عن المبادئ التي درسها والتي كتبت في كتبهم، وهذا في الحقيقة انفصام نكد وغريب بين المرحلة السرية والمرحلة العلنية وإذا سألت أحدهم عن ذلك فإنه سيجيبك بأن مصلحة الدعوة تقتضي ذلك وأن فقه الواقع يتطلب ذلك، والله المستعان على ما يفعله هؤلاء لأنهم يضرون ويؤذون الدعوة بتلك الأفعال، تخيل أن شابًا تربيه على التوحيد ثم تعلمه الولاء والبراء وتعلمه وجوب إقامة الخلافة ثم بعد سنوات تسمع ذلك الشاب على أحدى الفضائيات يتحدث عن الديمقراطية وعن التبادل السلمي للسطلة وعن مبدأ المشاركة في الحكم مع الشيوعيين والعلمانيين وهكذا شتان بين السري والعلني، لو أن أمثال هؤلاء لم يعلنوا دعوتهم وأبقوها سرًا لكان خيرًا لهم ولديننا ولدعوتنا وأنا لا أنكر هنا فقه الواقع أو فقه المصالح الذي يقوم على أصول شرعية وليس قائمًا على اتباع الهوى والأهواء والمصالح الحزبية، ولا أنكر كذلك أن يكون لدى الداعية لباقة وقدرة على المناورة في إطار أحكام الشريعة ولكن بشرط عدم التفريط أو التلاعب بالمبادئ العظيمة والثوابت الخطيرة والتي يعتبر المساس بها مساسًا بأصول العقيدة والتوحيد وأي مصلحة هذه التي تسوغ لنا العبث بأي أصل من أصول ديننا؟ لذلك أحببت التذكير والتأكيد على أهمية التواصل المستمر والمتأصل بين كل المراحل الدعوية خاصة في المرحلة العلنية والتي تعتبر