فهرس الكتاب
من الأنفس وأن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، ويتسلل للنفس من خلال حبها للشهوات وضعفها أما الإغراءات، ولذلك نجد أن سياسة المفاوضات المتبعة لدى العدو تقوم على المبادئ والأفكار الشيطانية ذاتها ولكن التوحيد لها بالمرصاد، يصد كل تلك الشهوات ويثبت النفس على طاعة الله ولعل من يتساقط من المنتسبين للتوحيد لم يكن لديهم توحيد حقيقي أو كانت لديهم بذرة النفاق فجاءت الشياطين فكبرتها وجعلتها شجرة خبيثة في النفس أما أهل التوحيد الحقيقي فلن تنفع معهم كل الأساليب الشيطانية لأنهم تحصنوا بعقيدة التوحيد وتسلحوا بالإيمان بالله تعإلى فدخل النور قلوبهم واطمأنت نفوسهم بالإيمان فأصبحوا كلما كثرت الإغراءات أقوى وأصلب وأشد تمسكًا بدينهم لذلك احتار عدوهم في كيفية اختراق نفوسهم وصفوفهم، التوحيد هو الأقوى والموحدون هم الأصلب، الشياطين تخسر معركة أخرى ولكن الحرب مستمرة لكي تأتي المعركة التالية والتي تتمثل في محاولاتهم الحصول على أي تنازل من قبل الموحدين عن أي جزيء من أجزاء التوحيد وهذا أسلوب ماكر وخطير لأن العدو يعلن من خلاله في الظاهر أنه لا يريد النيل من الدين أو العقيدة وإنما يريد منا بعض التنازلات البسيطة وفق ما يدّعي وهي في حقيقتها تكون أصولًا عظيمة من أصول الاعتقاد ولذلك حاولت قريش أن تفاوض النبي - عليه السلام - من خلال هذا الأسلوب الماكر بعدما فشلوا في رده أو صده عن دعوته لم يستسلموا وقرروا أن يحققوا أي انتصار بعد الهزيمة النكراء أما صلابة الموحدين وهم لم ينتقلوا إلى هذه المرحلة مباشرة بعد أول رفض للنبي - عليه السلام - عروضهم السابقة وإنما تكررت محاولاتهم وعرضهم عدة مرات بعدة طرق وبعدة صيغ ومن خلال عدة أشخاص كما جاءت بذلك الروايات التي لا يتسع المقام لذكرها وهي معروفة وموجودة في كتب السيرة النبوية لمن أراد التفصيل، وبالرغم من فشلهم استمروا في طريقهم ومضوا في مكرهم لعل النجاح يحالفهم ولو مرة واحدة فقط لأن هزيمة الموحدين في أي معركة تتعلق بالعقيدة هي أعظم انتصار يمكن أن يحققه أعداء الأمة علينا، وفي المقابل فإن أي هزيمة عسكرية أو مادية قد يتعرض لها الموحدون لا تكاد تذكر أما هزيمة العقيدة والعياذ بالله من خلال الردّة عن الإسلام أو التنازل عن أي أصل من أصول هذا الدين فهذه الهزيمة الكبرى وهذه الكارثة الحقيقية التي إن وقعت لا قدر الله فإن المنهزم سيخسر الدنيا والآخرة، نعوذ بالله من ذلك.
هجوم شيطاني جديد تقوده قريش على الموحدين بعد فشل المعارك السابقة والتي قد نضع لها عنوانًا بأنها مرحلة سياسية التنازلات أو التراجعات والتي تقوم على مفهوم ماكر وخبيث وهو أننا إن لم نستطيع أن نصد الموحدين عن كل توحيدهم فلنصدهم عن بعضه ولنحصل على أي تنازل فهذا سيفسد على الموحدين توحيدهم لأنه سيصبح توحيدًا ناقصًا وهذا انجاز عظيم للشرك وأهله ولقد أحببت هنا أن أذكر الرواية كما ذكرها الطبري وابن كثير وغيرهما أن نفرًا من المشركين فيهم الوليد بن المغيرة والعاص بن وائل جاؤوا فعرضوا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يعطوه من المال حتى يكون أغناهم وأن يزوجوه أجمل أبكارهم على أن يترك شتم آلهتهم وتسفيه عاداتهم فلما رفض إلا الدعوة إلى الحق الذي بُعث به قالوا: فتعبد آلهتنا يومًا ونعبد إلهك يومًا؟ فرفض ذلك أيضًا ونزل تعليقًا على ذلك قوله تعإلى: قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ* لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ* وَلا أَنْتُمْ