فهرس الكتاب
ثانيهما: ليس معنى العصمة من الناس أن لا يرى منهم إيذاء أو عذابًا أو اضطهادا وإنما معنى العصمة التي تعهد الله عز وجل بقوله: {وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} المائدة: من الآية 67، العصمة من القتل ومن أي صد أو عدوان من شأنه إيقاف الدعوة الإسلامية فقد قضت حكمة الله تعإلى أن يذوق الأنبياء من ذلك قدرًا غير يسير وذلك لا ينافي العصمة التي وعد بها أنبياء ورسوله ولذلك يقول الله عز وجل لنبيه بعد قوله: {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ*إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئينَ} الحجر 94: 95، يقول له {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ* فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ} الحجر 97: 98، ومن الحكم الجليلة لما قضت به سنة الله عز وجل من أن يلاقي الرسول ما لاقى من المحنة في طريق الدعوة أن يستسهلها ويستخف بها عامة المسلمين في كل عصر ممن أُنيطت بهم مسؤولية الدعوة الإسلامية فلو أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نجح في دعوته بدون أي مشقة أو جهد لطمع أصحابه والمسلمون من بعده بأن يستريحوا كما استراح ولاستثقلوا المصائب والمحن التي قد يجدونها في طريقهم إلى الدعوة الإسلامية أما والحالة هذه فإن مما يخفف وقع المحنة والعذاب على المسلمين شعورهم أنهم يذوقون مما ذاقه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنهم يسيرون في الطريق ذاتها التي أوذي فيها رسول الله،" [1] "
عام للحزن لقد الزوجة الوفية الصابرة ولخسارة العم الذي لم يمت على التوحيد، ولكن وبالرغم من كل تلك المصائب فإن النبي - عليه السلام - لم يسمِ هذا العام بعام الحزن فقط لمجرد وفاة خديجة رضي الله عنها وأبو طالب بل يضاف إلى كل تلك الأحزان أن الدعوة في ذلك العام لاقت الكثير من العقبات وأصبحت كل الأبواب أما الدعوة تقريبًا مغلقة لذلك اجتمعت الأحزان على الدعوة ونبيها وجنودها ولن كل أحزان الأرض ومصائب الدنيا لن توقف دعوة الله تعإلى، الابتلاءات في هذا العام تصل إلى ذروتها ولكن دعوة التوحيد باقية وستتجاوز كل العقبات، أعداء الله يزداد تربصهم بالدعوة وبقائدها يظنون أنه بإمكانهم النيل من الرسول - عليه السلام - بعد وفاة عمه، يا أعداء الله دعوة التوحيد لن تتوقف حتى لو فقدنا أهلنا وأقرب الناس إلينا، دعوة التوحيد مستمرة، ها هو النبي - عليه السلام - بعد كل تلك الأحزان التي أصابته يواصل تبليغ الرسالة وأداء الأمانة مهما أوقعتم عليه من الأذى، إنه يواصل المشوار الطويل ويذهب إلى الطائف يلتمس منهم النصرة بعد إسلامهم وإيمانهم وسلامة توحيدهم فماذا كان ردهم؟ أظن أن معظم المسلمين يعلمون كيف تم طرد النبي - عليه السلام - وكيف رُفضت دعوته وطورد من قبل المجانين والأطفال والنساء والسفهاء حتى سالت الدماء من قدميه بسبب ضربهم إياه حتى وصل إلى بستان فجلس في ظل شجرة عنب ثم دعا بهذا الدعاء"اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلّة حيلتي وهواني على الناس يا أرحم الراحمين أنت رب المستضعفين وأنت ربي إلى من تكلني إلى بعيد يتجهمني أم إلى عدو ملكته أمري؟ إن لم يكن بك عليّ غضب فلا أبالي ولكن عافيتك أوسع لي أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن تُنزل بي غضبك أو يحل عليّ سخطك، لك العتبى حتى ترضى ولا حول ولا قوة إلا بك"نعم إنه موقف من أصعب
(1) فقه السيرة ص 98