فهرس الكتاب
المواقف النبي - عليه السلام - يُطرد ويُضرب وتسيل الدماء من قدميه لأنه يريد دعوة الناس إلى التوحيد، يا جنود التوحيد ها هو نبيكم عليه الصلاة والسلام يعلمنا كيف يكون التضحية وكيف يكون حمل الراية، ها هي دماؤه الطاهرة تسيل على طريق الدعوة ومع ذلك كان شعاره المرفوع"إن لم يكن بك عليّ غضب فلا أبالي"المهم رضاك يا رب ولو سخط كل الناس، المهم رضاك يا رب ولو أصابتنا كل مصائب الدنيا المهم رضاك يا رب ولو قُتلنا أو سُحبنا أو نُفينا أو طُردنا من ديارنا، لا شيء في الدنيا يهمنا غير رضاك، كل تلك المصائب تنصب فوق رأس النبي - عليه السلام - لكنه لم يستسلم وهو يجلس في ذلك البستان إذ بغلام نصراني يقال له"عداس"يأتي إلى النبي - عليه السلام - ومعه قطفًا من العنب فقال للنبي كل: فمد الرسول يده قائلًا: بسم الله ثم أكل فقال عداس متعجبًا: والله إن هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلاد فقال له الرسول: ومن أي البلاد أنت وما دينك؟ قال: نصراني وأنا رجل من أهل نينوى"وهي قرية قرب الموصل في العراق"فقال الرسول - عليه السلام: من قرية الرجل الصالح يونس بن متى؟ فقال عداس: وما يدريك ما يونس بن متى؟ فقال له: ذلك أخي كان نبيًا وأنا نبي فأكب عداس على رسول الله يقبل رأسه ويديه وقدميه [1] ، النبي - عليه السلام - يدعو إلى توحيد الله بعد كل ما لاقاه، الدعوة لا تتوقف، تخيل أخي بعدما دعا بذلك الدعاة تجده يدعو ويُجند ويتحرك لخدمة الدعوة يا جنود التوحيد إنه لا مجال للقعود في جيشنا ولا مكان للنوم في دعوتنا، ولا عقبات تقف في وجوهنا ولا مصائب تُضعف عزائمنا أو توقف تقدمنا، فامضوا على بركة الله وتذكروا دائمًا قدوتكم محمدًا - صلى الله عليه وسلم - ماذا لاقى وكيف صبر، سيروا على نهج نبيكم وقائدكم وقدوتكم، انصروا دين الله ينصركم الله ويثبت أقدامكم، تقدموا إلى الأمام بالرغم من كثرة الآلام، لا للانكسار أمام الأمواج وأمام ضربات الظُلام وأمام مكر وحقد اللئام، لا تعرفوا غير لغة الثبات والإقدام، لا ترهبكم أساطيل العدو وجنوده الأقزام، لا تسقطوا الراية من أيديكم وفيكم عرق ينبض الدماء تسيل من جسد نبيك من قدميه الشريفتين؟ ألا ترى آثار الحجارة والتراب على ثباته، ألا تسمع صوته وهو يدعو بذلك الدعاء ماذا ستفعل لو كنت في ظروف تشبه ظروفه؟ ما هي الكلمات التي ستقولها وأنت مطرود وأنت مطارد من قبل النساء والأطفال والسفهاء والمجانين وأنت تسيل الدماء من جسدك وأنت تخرج من بيتك داعية إلى الله لا تريد مصلحة لذاتك ولا مالًا لنفسك ولا شهوة لجسدك، أنت تخرج مبلغًا تسعى لإنذار الناس من خطر النار لا تريد أن يدخلوا نار جهنم لذلك تترك بيتك وأهلك وأعمالك وتمضي وتمشي أيامًا على قدميك فأنت فقير لا تملك سيارة ولكنك وبالرغم من المشي والمعاناة والتعب تصل للمكان الذي خرجت تقصده ثم تُعرف بنفسك أمام من ذهبت إليهم فتقول أنك داعية تريد وترغب أن يسلموا وتُقيم عليهم الحجج والبراهين التي تثبت بأنك صادق ولا تعرف الكذب أنت تشعر بالطمأنينة لكونك تقوم بمهمة عظيمة وبعمل رائع وشريف وطيب، أنت لديك أخبار صادقة من مصادر موثوقة بأن القبيلة التي تدعوها وأنت الآن فيها تحيط بها المخاطر من كل جانب والأخبار التي لديك بأن شخصًا ما يخطط لحرق كل الغابات التي تحيط بالقبيلة وبأن طريقًا واحدًا فقط سيبقى مفتوحًا وأنت من
(1) كما ذكر ابن هشام في سيرته ج 1 - ص 420