فهرس الكتاب
يوم أحد؟"فقال:"لقد لقيت من قومك وكأ أشد ما لقيت منهم يوم العقبة إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال فلم يجيبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي، فلم أستفق إلا بقرن الثعلب فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلتني فنظرت فإذا فيها جبريل فناداني فقال: إن الله عز وجل قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت، قال: فناداني ملك الجبال وسلم علي ثم قال: يا محمد إن الله قد سمع قول قومك لك وأنا ملك الجبال وقد بعثني ربك إليك لتأمرني بأمرك، فما شئت؟ إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين. فقال رسول الله: بل أرجو الله أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده ولا يشرك به شيئًا" [1] ، لقد كانت تلك الأيام من أصعب أيام الدعوة لأن الابتلاءات كانت شديدة والعقبات كبيرة والحمل يزداد والمسؤولية تعظم ومع ذلك فإن النبي لم يجزع ولم يستسلم ولم يتراجع ولم يحقد ولم ينتقم لنفسه ولا لدمائه التي سالت ولا للإصابات التي أصيب بها ولا للشتائم التي سمعها ولا لأي شيء يخصه فالمعركة ليست شخصية أو قبلية أو حزبية، إنها مسألة عظيمة لا علاقة فيها للانتقام الشخصي أو الثأر العائلي أو غير ذلك من العادات التي كانت سائدة في زمن الجاهلية، إنها مسألة عقيدة وتوحيد، جنة أو نار، هداية أو غواية، حق أو باطل، نبي الرحمة يرفض العروض التي عرضها عليه ملك الجبال، ألم أقل لك إن الداعية كالطبيب الذي يتحمل من المريض كل الأذى ولكنه في النهاية يريد مساعدته، أنت أيها الداعية كذلك، أنت طبيب تعالج الناس من الأمراض الشركية والتي هي أخطر من الأمراض البدنية التي يصاب بها الناس لأنها أمراض تُدخل الناس نارًا عظيمة لا يخرجون منها إلى الأبد فأي مرض بدني يفعل بالإنسان مثل هذا الفعل؟ النبي - عليه السلام - نبي للرحمة وليس نبيًا للعذاب {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} (الأنبياء:107) ، هو نبي الرحمة ونبي الملحمة المبعوث للناس أجمعين هو يبحث عن وسيلة يُبعد الناس من خلالها عن النار فكيف يقبل هلاكهم بالرغم من أنه آذوه بكل شراسة وإجرام ومع ذلك تتجلى هنا صورة من أعظم صور التوحيد الحقيقي وإرادة الخير للناس إنها مدرسة النبوة الأولى ومدرسة التوحيد التي تخرج الدعاة إلى دين الله تعإلى، انظر أخي إلى أخلاق نبيك الداعية كيف كانت رحمته بالمدعوين وشفقته عليهم؟ أين نحن من تلك الأخلاق؟ أين نحن من تلك الرحمة؟ أين نحن من مدرسة التوحيد المحمدية؟ انظر أخي إلى روعة هذه الكلمات"بل أرجو الله أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده ولا يشرك به شيئًا"إنها الهمة الدعوية الطويلة الأمد والتي تمتد عبر الأجيال لا تعرف الكلل ولا الملل ولا التراجع، إن لم يؤمنوا هم فلعل من أصلابهم أن يخرج من يؤمن بالله، ما هذا النفس الطويل الذي يتسلح به - عليه السلام -؟، ما هذا الاستعداد الذي يجعله يفكر في الأجيال القادمة وبعضنا لا يُفكر إلى في يومه الذي يعيشه ولا تنسى أخي في الله الظروف والأوضاع التي كان يمر بها - عليه السلام - في تلك الفترة ومعه ذلك تجد لديه كل تلك الهمة وكل ذلك الإقدام، هيا أخي الداعية تسلح بالنفس الطويل وبالمهمة العالية كما كان نبيك ولا تكترث بكثرة العقبات والمصاعب والمتاعب فإن لم يستجب لك جيل فإن أجيالًا قادمة ستستجيب بإذن الله"
(1) متفق عليه.