فهرس الكتاب

الصفحة 411 من 604

عليهم كتاب الله ويدعوهم إلى توحيده وترك عبادة الأصنام، يقول ابن سعد في طبقاته"كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوافي الموسم كل عام يتبع الحجاج في منازلهم في المواسم بعكاظ ومجنة وذي المجاز يدعوهم إلى أن يمنعوه حتى يبلغ رسالات ربه ولهم الجنة فلا يجد أحدًا ينصره ويقول"يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا وتملكوا بها العرب وتذك لكم العجم وإذا آمنتم كنتم ملوكًا في الجنة"وأبو لهب وراءه يقول: لا تطيعوه فإنه صابئ كاذب فيردون على"

رسول الله أقبح الرد ويؤذونه" [1] ."

النبي عليه السلام يدعو إلى التوحيد وأبو لهب عليه من الله ما يستحق يدعوا إلى الشرك والمعركة متواصلة ومحاولات التشويه لا تتوقف ولا تنقطع والاتهامات بالكذب مستمرة ولكن دعوة الحق منطلقة لا تعيقها كل العوائق الشيطانية المنتشرة هنا وهناك، الناس في كثير من الأحيان يرفضون الدعوة خاصة بعد تشويه أو محاولات تشويه أبو لهب لها ويؤذون النبي عليه السلام بأشد العبارات ولكن الدعوة منطلقة وباقية لأن قائدها لا يتأثر بأي زوبعه من زوبعات الشرك والمشركين، حتى وفي ظل ذلك التكذيب وبعد كل تلك السنوات الدعوة هي المنتصرة لأنها لم تتوقف وقائدها ثابت على الطريق والمنهج ولم يتنازل عن أي شيء من هذه الدعوة، وأحببت هنا أن أذكر مثالًا سريعًا على ذلك فقد روى ابن إسحاق عن الزهري"أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أتى بني عامر بن صعصعه فدعاهم إلى الله عز وجل وعرض عليه نفسه فقال رجل منهم يقل له بيحرة بن فراس: والله لو أني أخذت هذا الفتى من قريش لأكلت به العرب ثم قال: أرأيت إن نحن بايعناك على أمرك ثم أظهرك الله على من خالفك أيكون لنا الأمر من بعدك؟ قال:"الأمر إلى الله يضعه حيث يشاء"فقال له: أفنهدف نحورنا للعرب دونك فإذا أظهرك الله كان الأمر لغيرنا؟ لا حاجة لنا بأمرك" [2] ، قد يعتقد البعض أن قتال هذا الطلب لا يضر التوحيد وأن نصرة التوحيد قد تحتاج لبعض التنازل عن المسائل التي لا تكون خطيرة، ولكن هذا الكلام لا ينفع مع جيش التوحيد لأن الموحدين يرفضون أي مساومة على دينهم مهما كانت شكلية أو ظاهرية ولكن سلبياه قد تضر التوحيد في المستقبل لأن قيادة جيشه ستصبح وراثه وهذا الدين لا يقوم في قيادته على التوارث وإنما على الصلاح والعلم والتقوى وبقية الشروط الشرعية الأخرى للإمارة، بالرغم من أن ظروف الدعوة قاسية وهي تمر في مرحلة عصيبة ومع ذلك فلا مجال لأي مساومة مهما كانت في ظاهرها بسيطة يأ أيها المساومون: كفاكم مساومة على هذا الدين كفاكم تنازلًا وتراجعًا عن أصول التوحيد، كفاكم ترقيعًا وتعريه وتراجعًا وتقهقرًا كفاكم استدلالًا بكل رأي مخالف وبكل قول شاذ، كفاكم تلبيسًا على الناس في دينهم، نتنازل عن الجهاد بحجة عدم القدرة أو الإعداد الذي لم يكتمل منذ عشرات السنين ونتنازل عن الولاء لله ولرسوله وللمؤمنين بحجة فقه الواقع والظروف الدولية المحيطة ونتنازل عن

(1) ابن سعد في طبقاته ج 1، ص 2، -201، وهذه رواية مرسلة رواها ابن سعد عن الواقدي، ومحمد بن عمر الواقدي معروف عند المحدثين بوضع الحديث.

(2) سيرة ابن هشام 1/ 425

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت