فهرس الكتاب
إلينا من شدة قربها منا، مجرد أن ينظر أحده تحت قدميه سيتم إعطاء الأوامر بإطلاق النار، يا رسول الله إن أخشى عليك والله إني لا أخاف على نفسي وإنما أخاف عليك وعلى دعوتنا وعلى جيشنا وعلى أمتنا، صدري دون صدرك نحري دون نحرك دمي دون دمك، بأبي أنت وأمي يا رسول الله، إني أسمع أصواتهم إنهم ينادون عليك وعلي يطالبوننا بالاستسلام يقولون لنا: ارفعوا الراية البيضاء ولكم الموت والقتل والتعذيب ولا يقولون لكم الأمان، إنه يقتربون منا شيئًا فشيئًا أسمعهم يتشاورون هل نقصف المكان أم يتم الاقتحام؟ ماذا عسانا أن نفعل؟ فالكرب شديد والخطر عظيم والهول جسيم والموقف عصيب أمام كل تلك الشدائد يقف النبي عليه السلام يُلقي بيان الحسم في ساعة الصفر، عنوان ذلك البيان: لا تحزن، لا أحزن وأنا محاصر وأنا مطارد وأنا تحت القصف وأنا بين يدي أعدائي وأنا محكوم علي بالإعدام وأنا يجتمع علي أهل الأرض يطالبونني بالاستسلام وأنا كاليتيم على مأدبة اللئام وأنا المطلوب الأول على قائمة ما يسمى الإرهاب اسمي يتصدر كل القوائم السوداء والحمراء والصفراء حتى القوائم التي لا ألوان لها ولا تحمل أية أرقام، لا، هي كلمة العز و كلمة الفخر وكلمة الإباء وكلمة التحدي وكلمة الشموخ وكلمة الصمود وكلمة كيد العدو وكلمة المواقف البطولية وكلمة رفض الخضوع أو الخنوع أو الدموع وكلمة الاستقلال وكلمة الثقة وكلمة العزم والحزم والجزم وكلمة الصبر والمصابرة والمرابطة، هي كذلك وغير ذلك إذا قبلت بنصرة دين الله تعإلى، لا تحزن وكأنها كلمة تخترق الصمت القاتل الذي ينتشر في المكان، الكل يراقب ويتابع ويسترق السمع لعل كلمة استسلام تُسمع لعل كلمة توسل تقال، أو لعل راية بيضاء ترفع، ووسائل الإعلام تصول وتجول وتبحث عن أي خبر تريد أن تسبق الأحداث والشياطين تحرض وتوسوس بكل قوة لعلها تنجح في تحقيق أي هدف من أهدافها كل ذلك خارج الغار، حصار ودمار وعدو يراقب كل شيء والمكان مليء بالجنود وأنياب الشرك تتربص وذئاب الحقد تنظر وشياطين تطلب الدعم والمدد، أمام كل تلك الأهوال التي تحدث خارج النار فإن الاطمئنان يعبئ الغار السكينة هي القرار وهي الخيار {فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (التوبة: 40) سكينة قادمة من الله تعإلى لكي تستقر في قلب النبي عليه السلام وجنود سخرهم الله تعإلى للدفاع عن نبيه فأي كرم هذا؟ وأي مكانة للنبي عليه السلام عند الله تعإلى؟ سكينة وطمأنينة وجنود وتأييد ومناصرة وإخراج من حصار إلى حصار إلى نصر وتمكين، الحمد لله رب العالمين، العدو يفقد الأمل بعدما كان النبي عليه السلام في قبضته يبدأ التراجع من قبل العدو ويؤخذ قرار الانسحاب فلا احد بالنسبة إليهم في الغار والنبي عليه السلام لا يبتعد غير أمتار أو أقل من ذلك فهم يقفون على الباب، تحولت المعركة وتغيرت موازينها بعدما حوصر قائد المؤمنين وكان في مرمى النيران والعدو يكاد يضرب ضربته القاضية وفق ما يعتقد العدو ومع ذلك تتحول المعركة من نصر للعدو إلى هزيمة بفضل الله تعإلى بعدما حاصر العدو المكان ينسحب وينجو النبي عليه السلام، معجزة جديدة تقع وكأن المعجزات ستبقى حية مع كل معركة أو حدث لكي تبرهن كل مرة على صدق نبوة محمد - صلى الله عليه وسلم - لأنك لو تابعت سيرته عليه السلام لوجد أن الحصار الذي ضُرب على نبيه عليه السلام