انتكاسه أو صعوبة فالنبي - صلى الله عليه وسلم - لم يعرف يوما غير العزيمة القوية حتى في أشدّ الأحوال صعوبة فعندما ذهب إلى الطائف وطرد وضرب وأوذي وسالت الدماء من جسده - صلى الله عليه وسلم - عاد إلى مكة وهو يقول:"إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي" [1] ، وما أجمل هذا الكلام بعدما تنكرت له الدنيا وتخلى عنه الخلق ورفض الناس إتِّبَاعه وحاربوا دعوته واعتدوا عليه وتطاولوا على مقامه - صلى الله عليه وسلم - ومع كل ذلك تراه يردد تلك الكلمات وكأنها بردٌ وسلامٌ على قلبك تسمع تلك الكلمات بكل ما أوتيت من قوة حواس لكي تدرك عظمة ذلك النبي الكريم فكيف بنا إذا دعونا أحد الناس فلم يقبل دعوتنا هل نيأس ونقول لقد فشلنا ووصلنا إلى نهاية الطريق ولا مجال للمقاومة والثبات أم نمضي على بركة الله نجدد البيعة والعهد ونجدد الهمّة والعزيمة ونصحح الأخطاء ونبذل كل جهد مستطاع من أجل استمرار الدعوة وانتشار المنهج الحق أي جند سنكون إذا وقعت أي خسارة في أي موقع هل سنقول كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - والصحابة الكرام - رضي الله عنهم - بعدما حدث في غزوة أحد واستشهد وجرح العشرات من جيش التوحيد من بينهم حمزة - رضي الله عنه - عمّ الرسول - صلى الله عليه وسلم - هل سنقول كما قالوا: قتلانا في الجنة و قتلاكم في النار ... الله اكبر الله اعلى وأجلّ في سياق ردهم على قريش عندما تطاولت بعد المعركة و قالت: يوما بيوم وأعلُ هبل والعياذ بالله ... هكذا كان النبي - صلى الله عليه وسلم - كان صاحب همّة وعزيمة وإرادة وثبات وقوّة والتزام و قدرة على تحمل مشاق الدعوة وإنّ الباحث المنصف لسيرته - صلى الله عليه وسلم - ليجدها سيرة عطرة تفيض بالمواقف البطولية والأحداث العظيمة والتي أظهرت الظروف الصعبة التي مرت بها الدعوة في معظم مراحلها وبالرغم من تلك الظروف فقد كان - صلى الله عليه وسلم - نموذجا في كل المواقع وفي جميع الظروف من بداية الدعوة إلى وفاته سواء أكانت الدعوة ضعيفة ولا تملك من القوة المادية إلا القليل أو كانت قوية وتملك جيشا جرارًا لأن قوة العزيمة ترتبط بداية بقوّة العقيدة وبرسوخ الإيمان في القلب وبتحقيق اليقين كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله"بالصبر واليقين تُنَال الإمامةُ في الدين"والهمّة الحقيقيّة تكون همّة شاملة في كل مناحي هذا الدين بل وفي كل شؤون هذه الدنيا لذلك تجد النبي - صلى الله عليه وسلم - عالي الهمّة في الدعوة إلى الله فهو يطرق الأبواب ويدعو الأحباب والأصحاب ويذهب إلى أهل البلاد والأغراب ولا يترك رجلا أو امرأة أو زعيما أو عبدا أو غنيا أو فقيرا أو قويا أو ضعيفا فهي إذًا همّة دعوية شاملة تشمل جميع الناس كما قال تعالى: {قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} الأعراف: 158، وكانت لديه همة في العبادة والصيام والقيام والصدقة والإحسان وإكرام الناس ولين الجانب والمناجاة والدعاء وقراءة القرآن والبحث عن كل باب من أبواب الإيمان حتى إنّ إحدى أمهات المؤمنين رضي الله عنهن تقول:"وأيكم يطيق ما كان يطيق"، وتقول أخرى"ما لكم وصلاته - صلى الله عليه وسلم -" [2] ، فقد كان - صلى الله عليه وسلم - عالي الهمّة في أداء الطاعات والقيام بالعبادات كذلك كانت همّته قوية - صلى الله عليه وسلم - في الصبر على الشدائد والمصائب فقد مات أبناؤه وثلاثة من بناته وماتت خديجة رضي الله عنها ومات عمّه أبو طالب وكان صابرا محتسبا ... يُتهم بالسحر وبالكهانة وبالشعوذة وبالجنون وبالكذب وبغيرها من الأباطيل وهو صابر حتى أنه - صلى الله عليه وسلم - اتهم في عِرضه وتكلم الناس عن زوجته الصدّيقة بنت الصدّيق عائشة رضي الله عنها وعن أبيها وهو صابر يبتلى بالفقر والجوع ويحاصر لمدة ثلاث سنوات في شعاب مكة ويربط على
(1) رواه الطبراني في المعجم الكبير وهو حديث مرسل.
(2) رواه النسائي والترمذي وضعفه الشيخ الألباني.