بطنه الحجارة في الخندق وهو صابر ... يُضرب و يُعتدى على جسده الشريف ويقوم عقبة بن أبي معيط بإيذائه وهو يصلي بجانب الكعبة ويتآمر عليه قادة قريش ويتعرض لأكثر من عشرين محاولة اغتيال ويطارَد ويلاحَق وتعلَن عليه الحروب وتجمَع له الجيوش وهو صابر ... وكان كذلك - صلى الله عليه وسلم - صاحب همّة في الجهاد فقد كان - صلى الله عليه وسلم - مجاهدا محبا للجهاد في سبيل إعلاء كلمة الله تعالى يقول - صلى الله عليه وسلم - عن نفسه:"لولا أن أشق على أمتي ما قعدت خلف سرية ..."ويقول أيضا:"لوددت أن اغزوا فأقتل ثم أحيا ثم اغزوا فأقتل ثم أحيا ثم أغزوفأقتل ..." [1] ، لقد كانت همّته - صلى الله عليه وسلم - لا تجاريها همّة من الهمم فضلا عن أن تسبقها والهمّة المطلوبة هي الهمّة الشاملة وليست الهمّة المجزأة والمقسّمة والتي تكون في جانب وتترك في بقية الجوانب فهي إن كانت كذلك فسرعان ما يحدث التراجع وسرعان ما يتسلل الضعف إلى القلوب وسرعان ما تحدث الهزائم فإذا كانت الهمّة قويّة في جانب و ضعيفة في جوانب أخرى فيبقى الجندي بين التقدم مرة والتراجع مرّات وهذا سبب كافٍ لكي ندرك خطورة ضعف الهمّة خاصة في أوقات الشدائد ولأن مدرسة محمد - صلى الله عليه وسلم - والتي تخرّج منها خيرة الصحابة كانت تقوم على مبدأ الهمّة الشاملة لذلك تجد أبا بكر - رضي الله عنه - يجسد ذلك المبدأ على أرض الواقع وفي كل المواقع فهو الذي وقف موقف الرجال الأشدّاء عند موت النبي - صلى الله عليه وسلم - بالرغم من أنه كان كما تقول عائشة رضي الله عنها كثير البكاء لا يتحمل قراءة القرآن ومع ذلك فقد أعانه الله على تحمل المسؤولية حتى عندما سرى خبر وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يستوعب معظم الصحابة ما حدث فمنهم من يبكي ومنهم من ذهل ومنهم من شهر سفيه وقال: من قال أن محمدًا - صلى الله عليه وسلم - قد مات قتلته وفي ظل هذه الظروف القاسية يقف الصدّيق - رضي الله عنه - فيقول:"أيها الناس من كان يعبد محمدًا فإنّ محمدًا قد مات ومن كان يعبد الله فإنّ الله حي لا يموت"ثم تلا هذه الآية: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ} آل عمران: 144 [2] ، وكأنَّ الصحابة يسمعون هذه الآية لأول مرة من هول ما حدث ثم لم يتوقف الأمر عند ذلك بل بدأ كثير من الناس في الجزيرة العربية يرتدّون عن الإسلام وعن دفع الزكاة فما الذي يحدث؟ وما الذي يجري للأمَّة؟ وماذا يفعل القائد؟ وكيف يتصرف الخليفة؟ أَدْرِكْ الأمة يا أبا بكر أدرك أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - أدرك دين الله؟ يا أبا بكر الأمة أمانة في عنقك؟ يقف أبو بكر - رضي الله عنه - يتحدى العالم مدافعا عن دين الله أعلنها مدوية لكل من سوّلت له نفسه التراجع عما كان عليه محمد - صلى الله عليه وسلم - يقف - رضي الله عنه - يعلن بيانًا هامًا"والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة والله لو منعوني عقال بعير كانوا يؤدونه إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لحاربتهم على منعه ..." [3] ، هذه الكلمات أو ما يشبهها كانت بمثابة إعلان حرب لا هوادة فيها على كل المرتدين و والله إنه لموقف عزيز لا يكون إلا من رجل صاحب همّة وعزيمة وكرامة لقد جاءت على أمتنا في تلك المرحلة أهوال وشدائد عصيبة لقد كانت أيامًا مزلزلة بل هي من أعظم وأخطر أيام الإسلام بعد موت النبي - صلى الله عليه وسلم - ولكن الله تعالى قد منَّ على الأمة برجل كأبي بكر - رضي الله عنه - يقول عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه:"لقد قمنا بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مقاما كدنا نهلك فيه لولا أن منَّ الله علينا بأبي بكر ..."نعم والله إنّ أبا بكر - رضي الله عنه - كان رجلا ليس كأي رجل وكما قيل:"رجل ذو همَّة يحيي أمَّة"، أي والله لقد كان أبو بكر رجلًا بهمةٍ عالية وعزيمة قوية أحيا الله تعالى به الأمة ولم تقتصر همّته على تلك المواقف بل تجاوزت ذلك
(1) متفق عليه.
(2) رواه البخاري.
(3) رواه أبو داود والترمذي وغيرهم.