فهرس الكتاب

الصفحة 45 من 604

لتكون همّة شاملة استحق من خلالها أن يذكر في القرآن الكريم كما قال تعالى: {إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} التوبة: 40، قال الشعبي: عاتب الله أهل الأرض جميعا في هذه الآية غير أبي بكر ... هنيئا لك يا أبا بكر تلك الصحبة وتلك الرحلة وتلك الكرامة ... من أين لك تلك العزيمة؟ كيف استطعت أن تقدِّم مالك كله و تبقي لأهلك الله ورسوله؟ كيف استطعت أن تضحّي بنفسك وبمالك وبأهلك وبوقتك وبعشيرتك وبأهل الأرض جميعا من أجل دينك؟ كيف قلت تلك العبارة الرائعة والتي تحتاج إلى أن تكتب بماء الذهب"أيَنْقُصُ الدين وأنا حيٌّ"سبحان الله العظيم وكأن الدين شيئا يملكه شخصيا يدافع عنه كما ندافع نحن عن أموالنا وأهلنا وأرضنا بل قد يكون دفاعه أشدّ ... إنّ همّة كهمّة أبي بكر - رضي الله عنه - تستحق أن يقف المرء أمامها يتأملها ويقلب أطرافها وجوانبها لكي يرى فيها العجب العجاب فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"من أصبح منكم اليوم صائمًا؟"قال أبو بكر: أنا يا رسول الله قال"فمن تبع منكم اليوم جنازة؟"قال أبو بكر: أنا يارسول الله قال: فمن أطعم منكم اليوم مسكينا؟ قال أبو بكر: أنا يا رسول الله، قال: فمن عاد منكم اليوم مريضا؟ قال أبو بكر أنا يا رسول الله، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -"ما اجتمعن في امرئ إلا دخل الجنة" [1] ، لقد كان صاحبَ همّةٍ عاليةٍ لا يترك بابا من أبواب الخير إلا طرقه وفتحه وكان سبَّاقا إلى كل خير وإلى كل طاعة فهل برجل يدافع عن دين الله كما دافع أبو بكر؟ هل برجل يغضب لدين الله كما كان يغضب أبو بكر؟ هل برجل يقول كما قال أبو بكر"أينقص الدين وأنا حي"هل برجل يقاتل من ارتدّ عن دين الله وغيَّر شرائع الله وتحاكم إلى غير كتاب الله؟ هل برجل يثأر للأرامل واليتامى والثكالى ومن وقع عليه ظلم الظالمين؟ هل برجل يهزّ بعزمه عروش الطغاة ويردّ من ضلّ من العصاة؟ هل برجل يتبنى هذا الدين فيكون الدين أحبّ إليه من أهله وولده ووالده والناس أجمعين؟ يا رجال الإسلام لقد عمَّ الظلام وتطاول علينا الأقزام وصرنا هياكل وجماجم وعظام وغزتنا جحافل الذئاب واللئام فضاع الأمن والأمان فأصبحنا كالأيتام من يثأر للأمة ولقدسها ولأقصاها يا كرام؟؟؟ كان أبو بكر - رضي الله عنه - بعد وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم - يدافع عن دين الله فمن يدافع عن دين الله اليوم؟ وقف أبو بكر متحديا العالم معلنا حربه على كل مرتد وعلى كل خائن لله ولرسوله وللمؤمنين قائلا لهم: لو لم يبق غيري لقاتلتكم لو بقيت وحدي لقاتلتكم لو لم يبق إلا التراب لقاتلتكم به لو انقطع عنقي لأقاتلنكم قتال من لا يريد الحياة حتى ترجعوا إلى دينكم وحتى تعودوا إلى إيمانكم فمن يقف اليوم يعيد من ارتدّ من أمّتنا إلى دينها؟ من يعلن حربا على كل من سوّلت له نفسه التراجع عن دين الله؟ إلى متى ستبقى الأمة تتلقى الضربات وتذوق الويلات و تثخن فيها الجراحات ويعتدي عليها أصحاب الدولارات من عُبَّاد الصليب المجرمين والصهاينة الحاقدين الذين لا يرقبون في مؤمن عهدا ولا ذمة ولا دين؟ إنه لن يصلح أمر هذه الأمة إلا بما صلح عليه أولها ولن تعود الأمة إلى سابق عهدها فترفع الظلم عن نفسها إلا إذا خرج من بينها رجال لهم همم وعزائم تناطح السحاب وتقارع الجبال كما كان أبو بكر - رضي الله عنه - و عمر الفاروق الذي فرق الله به بين الحق والباطل فكما كان أبو بكر بهمّة وعزيمة شاملة كذلك كان عمر - رضي الله عنه - صاحب همّة وعزيمة قوية فقد ذكر ابن عمر رضي الله عنهما أنه لم ير أحدا بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من حين قبض كان

(1) رواه مسلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت