فهرس الكتاب

الصفحة 46 من 604

أجدّ وأجود من عمر ... [1] ، إنه عمر الذي قال فيه الرسول - صلى الله عليه وسلم -"إن الله جعل الحقّ على لسان عمر وقلبه" [2] ، إنّ عمر الذي كان الشيطان يهرب منه كما قال - صلى الله عليه وسلم:"يا ابن الخطاب والذي نفسي بيده ما لقيك الشيطان سالكا فجًا إلا سلك فجًا غير فجّك" [3] ، إنه عمر الذي دعا الرسول - صلى الله عليه وسلم - ربّه أن يعز الإسلام به إنه عمر الذي قال فيه عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - ما زلنا أعزّة منذ أسلم عمر ... إنه عمر الذي قال فيه ابن عباس رضي الله عنهما كان وَقّافا عند كتاب الله ... إنه عمر الذي قال: لو مات جَدْيٌ بطفِّ (شط) العراق لخشيت أن يحاسب الله به عمر ... إنه عمر الذي حمل الدرة يؤدب بها فقيل عنها: لدرّةُ عمر أهيب من سيفكم ... إنه عمر الذي أذلّ كسرى الفرس وهرقل الروم ... إنه عمر صاحب الفتوح العظيمة والانتصارات الكثيرة ... إنه عمر الأقصى والقدس وفلسطين ... إنه عمر الذي كان ينعس وهو قاعد فقيل له يا أمير المؤمنين: ألا ترقد؟ ألا تنام؟ قال: إن نمت بالنهار ضيعت مصالح الرعية وإن نمت بالليل ضيعت حظي مع الله ... إنه عمر الذي طلب الشهادة في مدينة رسول - صلى الله عليه وسلم - فنالها إمامًا في صلاة الفجر ... إنه عمر العدل والمساواة وتفقد أحوال الرعية والمسارعة إلى إحقاق الحق ... إنه عمر صاحب الهيبة والقوة والهجرة والتحدي والهمّة والعزيمة ولولا خشية الإطالة لما توقف القلم عبر عشرات بل مئات الصفحات وهو يتحدث عن همّة ذلك الصحابي الذي أكرم الله به الأمة ... فهل يوجد أي وجه للمقارنة بين هممنا وبين همّته؟ هل بذلنا كما بذل؟ هل قدمنا كما قدم؟ هل قاتلنا كما قاتل؟ هل تحملنا كما تحمل؟ رضي الله عنك أيها الفاروق فقد غابت شمسك عن القدس بعد الشروق وصار الأقصى يئن تحت العدوان بلا حقوق فلأعترف يا سيدي أن المآذن لا تساوي رقصة أو هز خصر في حمى السلطان ... فلأعترف يا سيدي أن الفراشات الجميلة لن تقاوم خسَّة الثعبان ... فلأعترف يا سيدي أنَّ الأُسود تموت حزنا عندما تتحكم الفئران وبأن أشباه الرجال تحكموا وبأن هذا العصر للغلمان ... فلأعترف يا سيدي أن السماسرة الكبار توحّشوا باعوا الشعوب وأجهضوا الأوطان وبأنهم سجنوا الزهور وقدّموا العمر قربانا لأصنام تبيع الإفك جهرا في حمى الشيطان ... القدس تَرْسم وجه احمد ... و الملائك حوله و الكون يتلو سورة الرحمن ... القدس في الأفق البعيد وفي أحشائها طيف ابن زنكي وحوله الفرسان ... القدس تبدو في ثياب الحزن قنديلا بلا ضوء بلا نبض بلا ألوان ... .تبكي كثيرا كلما حانت صلاة الفجر وانطفأت عيون الصبح وانطلق المؤذن بالأذان ... القدس تسأل كيف صار الابن سمسارا وباع الأم في سوق الهوان بأرخص الأثمان ... صوت المؤذن والمنابر لم يزل في القدس يرفع راية العصيان ... الله أكبر منك يا جيل الهوان ... وطن جميل كان يوما كعبة الأوطان ... ماذا تبقى منه؟ الآن الآن الآن تأكله الكلاب وترتوي بالدم فوق ربوعه الديدان الآن ترحل عنه أفواج الحمائم وتنعق الغربان ... الآن ترتع فيه أسراب الجراد وتعبث الفئران ... الآن يأتي الماء مسموما و يأتي الخبز مسموما و يأتي الحُلُم مسموما و يأتي الفجر مصلوبا على الجدران ... وطن بلون دمانا يبدو الآن محمولا على نعش من الأحزان ... جسد هزيل في صقيع الموت مصلوب بلا أكفان ... الآن ترتحل الرجولة عن ثراه ... ويسقط الفرسان ... في ساحة الدجل الرخيص يغيب وجه الحق وتسقط أمنيات العمر ويزحف موكب الطغيان ... في ساحة القهر الطويل يضيع صوت العدل ... وتخبو صلاة الفجر ... تعلو صيحة البهتان ... وطن

(1) البخاري.

(2) رواه أحمد والطبراني في الأوسط وصححه الألباني.

(3) البخاري والمسلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت