فهرس الكتاب

الصفحة 435 من 604

لما كان يوم أحد انهزم الناس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبو طلحة بين يدي النبي - صلى الله عليه وسلم - مجوب عليه (مترس بنفسه عليه) بجحفة له (ترس من جلد) وكان أو بطلحة رجلًا راميًا شيد النزع، فيشرف النبي - صلى الله عليه وسلم - ينظر إلى القوم فيقول أبو طلحة"بأبي أنت وأمي لا تشرف يصيبك سهم من سهام القوم نحري دون نحرك" [1] وترس أبي دجانة نفسه دون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والنبل يتلاحق في ظهره وهو منحن على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يتحول وترس زياد بن السكن نفسه دون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى قتل هو وخمسة من أصحابه وكان آخرهم على ما رواه ابن هشام عمارة بن يزيد بن السكن فقاتل دونه عليه الصلاة والسلام حتى ثبتته الجراح فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"أدنوه مني فوسده قدمه، فمات وخده على قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -".

جنود بكل معاني الجندية التي سجلها التاريخ سابقًا وسيسجلها التاريخ لاحقًا، أحضروا لي مثل تلك النماذج، الجنود في كل الجيوش فتشوا بين كل الجنود اسألوا في كل الجامعات والمعاهد العسكرية التي تخرج منها الضباط والجنرالات هل يوجد لديكم مثل جنود محمد - صلى الله عليه وسلم -؟ تروس تدافع عن قائد جيش التوحيد بكل قوة وبكل التزام وبكل صدق وإخلاص، نحورنا دون نحرك، نقدم آباءنا وأمهاتنا فداءً لك، نقدم أرواحنا بين يديك، نحن جنودك يا رسول الله لن نخذلك لن ننسحب من المعركة، يستشهد الأول وهو يدافع عن النبي عليه السلام بجسده فيأتي الثاني ثم الثالث والرابع والخامس، شهيد يتلو شهيد وبطل يقدم نفسه بعد أخيه دو تردد أو تأخير، ملحمة رائعة وجنود يتصرفون بكل رجولة ومسؤولية، الدماء الطاهرة تسيل في المكان والجندي التالي ينظر إلى سابقه تسيل دماؤه فيتقدم، كيف جاءتهم كل تلك الجرأة؟ حتى عندما انتهت الذخائر التي كانت بحوزتهم ضموا النبي عليه السلام إلى صدورهم قريبًا إلى قلوبهم، يا رسول الله بصدورنا العارية نحميك لن ندعهم يصلون إليك وفينا عرق ينبض، كم من الوقت يحتاج هذا المشهد إلى تأمل؟ كم من الحبر والأوراق يحتاج حتى يكتمل؟، هو مشهد يجمع بين الجندية والبطولة والشجاعة والتضحية والفداء والوفاء والصدق والإخلاص وحب الرسول عليه السلام وصفاء التوحيد ونقاء السريرة فكيف سيحيط المرء بجوانب هذا المشهد من خلال بعض الورقات القليلة؟ ولكن المشهد بإذن الله تعإلى في موضوع أخر، ينسحب النبي عليه السلام ومن بقي معه من الصحابة إلى سفح جبل أحد والمشركون يظهرون الفرحة بالنصر الذي حققوه، يصيح قائد المشركين يومًا بيوم أي يوم بدر بيوم أحد وواحدة بواحدة ولكن عزة التوحيد لا تعرف الهزيمة، جيش التوحيد يعلنها، قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار، يعلن جيش الشرك نصره، أعلو هبل، سيرد عليهم جيش التوحيد بكل قوة الله أعل وأجل، من وسط الركام ومن بين الزحام وشدة الآلام يخرج ذلك الكلام، في أشد الظروف قساوة تجد الموحد معتزًا بتوحيده متمسكًا بعقيدته مدافعًا عنها بكل قوة، يعود جيش التوحيد إلى المدينة فيصل إليها مساء السبت فيبيت المسلمون ليلتهم يداوون جراحاتهم فلما صلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - الصبح أمر بلالًا أن ينادي بالناس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يأمركم بطلب العدو ولا يخرج معنا إلا من شهد القتال بالأمس فخرج القوم والجروح لم تجف الدماء عنها ومع ذلك كانت القرارات العسكرية حاسمة بأن

(1) البخاري 5/ 33

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت