فهرس الكتاب
منك حياتك ما هو شعورك؟ أتقول أن الزنزانة تشبه القبر أو هي قبر أشد من القبر، ما رأيك لو سجدت فيها لله سجدة وتذكرت خبيبًا قبل إعدامه ألا ينشرح قلبك؟ ألا تفرح نفسك؟ خبيب رضي الله عنه يعلمنا كيف يكون الجنود في الشدائد، أم أنك مطارد وتنام في كهف مظلم بين كل لحظة وأخرى يمكن أن تكون ضحية، هل ستجلس في رعب وقلق دائمين وكلما سمعت صوتًا أو رأيت أحدًا ترتعد أطرافك خوفًا؟ أم ستجلس تخطط كيف تهاجم وكيف تهزم عدوك حتى وإن كان كهفك مظلم فلينره نور التوحيد الذي تحمله، خبيب يصلي لله ركعتين قبل إعدامه وكان أول من صلى قبل إعدامه لكي يعلمنا ويعلم جيشنا كيف يكون الجنود عند الشدائد، هو يُحب أن يطيل في صلاته الأخيرة ولكنه لم يطل خشية أن يظن العدو بأنه خائف وأنه يطيل في الصلاة حتى يطيل في عمره، أعلنها لهم قائلًا: لولا أن تروا أن ما بي جزع من الموت لزدت، هكذا بكل قوة وصلابة وهدوء ويقين، مصلوب أنت يا خبيب، هي لحظاتك الأخيرة، أمامك فرصة التراجع، فكر ثم قرر ولا تتسرع فقط نريد أن نسمع منك كلمات قليلة تعلن من خلالها براءتك من دين محمد - صلى الله عليه وسلم - وموالاتك لدين قريش، فقط نريد أن نسمع منك ولو كلمة واحدة وكأن صلابة التوحيد الذي يحمله الجندي الأسير تجعل آسريه يشعرون بالخزي والعار والضعف لكونهم بكل جنودهم وقوتهم يقفون موقف العاجز والمهزوم، أسير قوي وآسر مهزوم وكأن جنود التوحيد دائمًا يغيرون المعادلات أو القواعد التي تعتبر عند الناس حقائق، قوي أنت يا خبيب، تعيش لحظاتك الأخيرة أراك تودع الدنيا بلا ندم ولا قلق ولا فزع ولا خوف، أترغب بالرحيل عن الدنيا؟ أتشتاق للقاء الله تعإلى؟ أتحب أن تذهب إلى الجنة؟ يحاول الطغاة صد الموحدين عن توحيدهم بكل الوسائل، يقف أبو سفيان ولم يكن قد أسلم بعد لكي يفاوض خبيبًا في آخر محاولة وفي رواية أنه عرض ذلك العرض على زيد وهو الأسير الثاني الذي كان مع خبيب، ويبدوا أن أبا سفيان كان يرغب في سماع ولو كلمة واحدة يُشفي بها غيظه ويعيد من خلالها الاعتبار لجيشه ولقومه وهم يهزمون مرة أخرى أمام جنود التوحيد وهم أسرى فكيف وهم أحرار؟، قال أبو سفيان: أتحب أن محمدًا الآن عندنا مكانك نضرب عنقه وأنك في أهلك؟ عرض فيه الكثير من الإغراء ولكنه سيتحطم أمام صخرة التوحيد، إنه صدق الانتماء وإنها الجندية النادرة تربي جنودًا لا ينقلبون على جيشهم مهما كانت أحوالهم، يرد خبيب ويرد يزيد، والله ما نحب أن محمدًا الآن في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه وأننا نجلس في أهلنا، صفعة جديدة توجه للشرك ولرموزه، فيزداد غيظ وحقد المشركين على جنود هذا الدين فتأتيهم صفعة أخرى بقول خبيب لهم:
ولست أبالي حين أقتل مسلمًا على أي شق كان في الله مصرعي
وذلك في ذات الإله وإن يشأ يبارك على أوصال شلو ممزع [1]
يا طغاة الأرض لا نبالي إن قتلنا من أجل الله ونصرة لدين الله أتظنوننا نخاف الموت كما تخافون؟ أو نسعى وراء شهوات الدنيا كما تسعون؟ إننا جنود في جيش التوحيد الذي يقوده النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - وها هم
(1) رواه البخاري.