فهرس الكتاب
أبشروا يا معشر المسلمين" [1] انظر أخي إلى قول النبي عليه الصلاة والسلام بعدما جاءه خبر الغدر ينادي المسلمين ويقول لهم"أبشروا"ها هو القائد يشد من أزر جنوده النبي عليه السلام لا يتأثر بالأخبار السيئة مهما كانت ثقيلة، فهو لم يجلس يبكي ويندب ويلطم الخدود ويخذل الجنود وينشر روح الهزيمة بل على العكس تمامًا لا تراه إلا مبشرًا وداعيًا إلى الخير وهذا يعلمنا أن نتصرف بحكمة كجنود وكقادة عند وقوع الشدائد، لأن القيادة الحقيقية والجندية الصحيحة لا تعرف إلا عند المصائب والشدائد، ويبدأ المنافقون ينشرون الأخبار بين صفوف جيش التوحيد وكأن الأجواء المحيطة بجيش التوحيد تساعد المنافقين على نشر باطلهم، حصار وغدر ومؤامرة وجوع وعطش وخوف وقلق وتحالف دولي من الخارج وطعن في الظهر من الداخل وأهل النفاق يُخذلون الموحدين وينشرون الأراجيف في المدينة حتى إن أحدهم ليقول:"كان محمد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر وأحدنا اليوم لا يأمن على نفسه أن يذهب إلى الغائط"هكذا بكل وقاحة يبدأ التشكيك وينشر أعداء الله التخذيل في صفوف الموحدين"، إنها الشدائد التي تمحص وتفحص وتبين الحقيقة وتكشف صدق الانتماء من عدمه، اليوم تتكشف الحقائق ويتميز الجندي الأصيل من الجندي الآبق المنافق، ولكن وبالمقابل فإن إشراقات الجنود المخلصين تظهر كذلك عند الشدائد ومن هذه الإشرافات ما قاله سعد بن معاذ وسعد بن عبادة للنبي عليه السلام بعدما استشارهما في إعطاء قبيلة غطفان ثلث ثمار المدينة كي ينصرفوا عن قتال المسلمين، إذ قال له سعد بن معاذ: يا رسول الله أهو أمر تحبه فتصنعه أم شيء أمرك الله به أم شيء تصنعه لنا؟ قال: بل شيء أصنعه لكم كي أكسر عنكم من شوكتهم، حينئذٍ قال له سعد بن معاذ:"والله ما لنا بهذا من حاجة والله لا نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم فتهلل وجه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال له: فأنت وذاك" [2] سعد وسعد يشرقان بإشراقات رائعة في ظل الظروف الصعبة السائدة كيف كانا يتعاملان مع رسول الله بكل جندية فهما لم يقولا رأيهما إلا بعد إذن النبي عليه الصلاة والسلام ثم يأتي رأي سعد بن معاذ بأننا لن نعطيهم إلا السيف بكل تلك القوة تظهر حقيقة العقيدة الصادقة والتوحيد الصلب الذي لا يتغير أمام الشدائد والمصاعب والكوارث، رجال التوحيد يظهرون عندما تتراكم الأزمات وتتوإلى النكبات انظر أخي إلى الصلابة عند المحنة وإلى التحدي عند الخوف وإلى الرجال الذين يحملون الأحمال والأعباء الثقال، ثم انظر إلى استبشار النبي عليه الصلاة والسلام بذلك الكلام الذي سمعه ثم قارن بين كلام سعد وبين تخذيل المنافقين وإشاعاتهم لكي تفرق من خلال ذلك بين الموحدين الصادقين وبين المنافقين المجرمين خاصة إذا كانت الظروف قاسية كما كانت أيام الخندق حيث وصفها الله تعإلى في القرآن بقوله: {إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا* هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا} (الأحزاب 10: 11) زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وزلزال شديد يهز أركان المدينة، جنود وقيود وصعوبات متراكمة وبعد كل ذلك وغيره من الابتلاءات تظهر الأنوار
(1) رواه ابن إسحاق معلقًا ومنقطعًا، ومن طريقه الطبري في التاريخ، والبيهقي في دلائل النبوة، وهي رواية ضعيفة.
(2) روه البيهقي في معرفة السنن والآثار، والطبراني، والبزار، ورجال البزار والطبراني فيهما محمد بن عمرو، وحديثه حسن، وبقية رجاله ثقات.