فهرس الكتاب
ينقصم الجيش إلى قسمين: قسم يجتهد فيصلي والقسم الآخر يلتزم بنصية الأمر النبوي فلا يصلي حتى يصل إلى المكان المطلوب، جندية حقيقية لا تزييف فيها ولا خداع مع أن الصلاة فرض رباني إلا أنهم اختلفوا في فهم أمر النبي عليه الصلاة والسلام لذلك اجتهد كل فريق بما يراه مناسبًا ولم يُعنف أحد الفريقين الآخر وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أدب الصحابة ومراعاتهم لقواعد الاجتهاد والاختلاف فلم يحدث بينهم قتال ولم يشتم بعضهم البعض الآخر وكذلك النبي عليه الصلاة والسلام لم يعنف أي أحد وترك للفريقين حرية الاجتهاد، مدرسة رائعة بكل شيء فيها بكل أحداثها واختلافاتها وأعمالها، عند كل موقف تتجلى الجندية التي يحتاجها كل جندي موحد في كل أرض وتحت كل سماء، جيش التوحيد يحاصر بني قريظة فيتحصن أعداء الله فيستمر الحصار لما يقرب من شهر وتستمر المفاوضات حتى استسلم أعداء الله ونزلوا على حكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى حكم فيهم سعد بن معاذ رضي الله عنه فحكم بقتل مقاتليهم وسبي ذريتهم فأقره النبي عليه السلام على ذلك بقوله"قضيت بحكم الله تعإلى" [1] هذا جزاء من ينقض العهد وأي عهد إنه عهد مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ولذلك كانت العقوبة مناسبة لشناعة فعلهم وإجرامهم، كم مرة غدروا، كم عهد تقضوا؟ هو ديدنهم وهو أسلوبهم القديم الجديد، الله تعإلى وصفهم في القرآن الكريم بأنهم {لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلا ذِمَّةً وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ} (التوبة:10) نقض العهود سياسة متبعة عند أعداء الله خاصة عندما تتوفر لديهم بعض أسباب القوة أو عندما يحدث أي ضعف في صفوف الموحدين، وكأن عهودهم ترتبط بميزان القوة والضعف ولذلك فإنهم يغدرون باستمرار، والله المستعان على ذلك، جيش التوحيد ينتصر بفضل الله تعإلى مرة أخرى ويُهزم أعداء الله مرة تلو المرة، راية التوحيد تثبت أكثر وكل معركة تقيه أكثر والقادم أكبر وأخطر، ثم يأتي صلح الحديبية وسببه أن النبي عليه الصلاة والسلام أعلن في المسلمين أنه متوجه إلى مكة معتمرًا فتبعه جمع كبير من المهاجرين والأنصار بلغ عددهم ألفًا وأربع مئة تقريبًا وأثناء الطريق أرسل عليه الصلاة والسلام رسله لكي يأتوه بالأخبار فإذا بقريش تعد العدة للقتال ولصد الموحدين عن بيت الله وبدأت المفاوضات بين الطرفين حتى انتهت بكتابة عهد وقد كانت بعض بنود العهد شديدة على نفوس الصحابة كرفض المشركين كتابة"بسم الله الرحمن الرحيم"ورسول الله ومن ذلك قولهم"على أن لا يأتيك منا رجل وإن كان على دينك إلا رددته إلينا ومن جاء منكم لم نرده عليكم فقال المسلمون: سبحان الله كيف يرد إلى المشركين وقد جاء مسلمًا؟ والتفتوا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسألونه: أنكتب هذا يا رسول الله؟ قال: نعم إنه من ذهب منا إليهم فأبعده الله ومن جاءنا منهم فسيجعل الله له فرجا ومخرجا" [2] وقد كانت بعض البنود ثقيلة على نفوس الصحابة حتى جاء في الصحيحين إن عمر بن الخطاب قال:"فأتيت نبي الله - صلى الله عليه وسلم - فقلت ألست نبي الله حقًا؟ قال: بلى، قلت: ألست على حق وعدونا على باطل؟، قال: بلى، قلت: أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار؟، قال: بلى، قلت: فلماذا نعطي الدنية في ديننا إذن؟ قال: إني رسول الله ولست"
(1) متفق عليه
(2) هذه الرواية مأخوذة من البخاري ومسلم