فهرس الكتاب
في يوم عرفه يلقي خطبة جامعة في جموع المسلمين الذين احتشدوا حوله حيث قال فيها:"أيها الناس اسمعوا قولي فإني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا بهذا الموقف أبدًا أيها الناس إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا ألا وإن كل شيء من أم الجاهلية تحت قدمي موضوع،" [1] هي خطبة الوداع، إنه أعظم وداع في التاريخ، جيش التوحيد يجتمع مع قيادته في لقاء أخير، لقاء لأهل الإيمان يوصي فيه عليه الصلاة والسلام جنوده بوصايا عظيمة ويؤكد على قضايا خطيرة ويحذر من وقوع الأمة في المخالفات الشرعية، تخيل المشهد والصحابة بالآلاف يقفون حول النبي عليه الصلاة والسلام في أطهر بقعة بعد سنوات طويلة من الدعوة والجهاد يبقى عليه الصلاة والسلام يحمل هم التوحيد وهم الأمة من بعده، كم كان عليه الصلاة والسلام حريصًا على هذه الدعوة، مشهد رائع من مشاهد صدق الانتماء فلا يكفي أن يبذل كل ما بذل بل يستمر في العطاء والدعوة والنصح والإرشاد للجنود من بعده، كم كان عليه الصلاة والسلام يحب دينه ودعوته؟ بكل تلك الحرارة وذلك الحرص يتحدث عليه الصلاة والسلام في حجة الوداع وفي خطبة الوداع، تخيل كيف كان صوته وكيف كانت كلماته الصادقة وهو يقول لهم"لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا،"كيف كانت هذه الكلمات؟ وكأني أسمعهم يقولون، لا يلقانا وكيف لا يلقانا ولا نلقاه وهو يحبنا ونحبه؟ هل سيتركنا ويذهب إلى مكان آخر أم إلى بلد آخر؟ يا رسول الله أتتركنا بعد كل تلك السنوات؟ هل أزعجناك في شيء؟ هل قصرنا في تنفيذ أوامرك؟ إنه وداع من نوع آخر إنه وداع الحبيب لمن يحب، إلى اللقاء ي مكة، ويعود عليه الصلاة والسلام إلى المدينة لكي يبدأ بتجهيز بعث أسامة بن زيد إلى الشام وكان أسامة رضي الله عنه شابًا في بداية شبابه حتى حاول المنافقون نشر روح التمرد بين صفوف جيش التوحيد من خلال قولهم: أمر غلامًا حدثًا على جلة المهاجرين والأنصار، إنهم جنود محمد - صلى الله عليه وسلم - هو من اختاره للإمارة فكيف يشكك المنافقون في ذلك؟ إنه أسلوبهم المتكرر مع كل حادثة أو غزوة ولكنه اختيار النبي عليه الصلاة والسلام الذي لا يمكن إلا أن يكون صوابًا فليست المسألة كما يدعي أهل النفاق بأنها ترتبط بالسن وإنما هي مرتبطة بالقدرة والكفاءة، ثم إن الإمارة في ديننا ليست تشريفًا وإنما هي تكليف ومسؤولية عظيمة، شاب لم يتجاوز عمره الثماني عشرة سنة يقود جيش التوحيد بأمر النبي عليه الصلاة والسلام كيف تربي أسامة؟ ومن أي المعاهد العسكرية تخرج؟ كم كان يحمل من الرتب والتيجان والنياشين؟ إنه جندي من جنود محمد - صلى الله عليه وسلم - تربى على مائدة القرآن فتخرج بأعلى الرتب الإيمانية التي أهلته لقيادة الجيوش وغزو الدول العظمى في ذلك الزمان، يسمع عليه الصلاة والسلام كلام المنافقين في شأن أسامة فيخرج عليه الصلاة والسلام من بيته وقد عصب رأسه بسبب مرضه فيخطب في الناس قائلًا"إن تطعنوا في إمارة أسامة بن زيد فقد طعنتم في أمارة أبيه من قبله وأيم الله إن كان لخليقًا بها، وأيم الله إن كان لأحب الناس إلي وأيم الله إن هذا الخليق ويريد أسامة بن زيد وأيم الله أن كان لأحبهم إلي من بعده فأوصيكم به فإنه من صالحيكم" [2] هنيئًا لك يا أسامة هذه الشهادات وهذه النياشين وهذه الرتب
(1) رواه مسلم وغيره
(2) متفق عليه