الكبيرة إنها معادلة التوحيد الصافي النقي الذي لا تشوبه شائبة، ز إنها معادلة الجندية التي لا تفارق صاحبها في كل المواقع والدليل على ذلك ما فعله أبو بكر عندما كان ينتقل بجنديته من أقصى مراحل الخشونة والتواضع والخشية والانكسار لله تعإلى إلى أقصى مراحل القوة والصلابة والشجاعة والثبات وكأنك تتحدث عن أكثر من شخص ولكن الحقيقة أنك تتحدث عن جندي واحد ولكنه يخدم دينه فأينما تكون الخدمة تجده على أهبة الاستعداد وتجد عنده أعلى درجات الجاهزية، كيف بك أخي لو طلب منك أن تخدم في أكثر من موقع؟ هل ستقدم استقالتك؟ هل ستتخلى عن جنديتك؟ هل ستلقي سلاحك؟ أم ستتقدم بكل عزيمة لك تخدم ولكي تتقدم بغض النظر عن طبيعة المهمة المراد تنفيذها من أراد الجندية الحقيقية فلينظر إلى سلفنا كيف كانوا ولا يكفي أن ينظر بل يجب عليه أن يطبق ويحاول التشبه لعلنا نفلح بالتشبه إن لم نحسن التقليد، وفجأة يصبح الجندي خليفة الجندي الخليفة وأي خليفة؟ إنه أول خليفة بعد رسول الله، شرف الجندية لا يفارق الجنود المخلصين وهكذا يسجل أبو بكر أول خليفة بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكأن الجندية الحقيقية في هذا الدين ترفع صاحبها إلى درجة تقترب من الأنبياء عليهم السلام، فجأة تنتقل المسؤولية لكي توضع على أكتاف أبي بكر، ألا يكفي مصيبة موت النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى تأتي هذه المسؤولية الجسيمة، ثم ما تلبث الوضع بعد موت النبي عليه الصلاة والسلام حتى تفجرت وظهرت بوادر الردة والفتنة وبدأ التراجع عن دين الله، قبائل ترتد عن الإسلام، دعوة التوحيد في خطر وجيش التوحيد في وضع صعب، أين أنت أيها الخليفة ما هي ردة فعلك؟ ماذا ستفعل؟ يقول بعض الجنود لأبي بكر بأن يوقف جيش أسامة الذي بعثه النبي - صلى الله عليه وسلم - قبل موته حتى يتم ترتيب الأوضاع الداخلية لأن ما يحدث أشبه ما يكون بالانقلاب على دين الله، معظم الجزيرة باستثناء مكة والمدينة والطائف يُعلن فيها الانقلاب إما بشكل جزئي كالامتناع عن أداء الزكاة أو بشكل كلي كالرجوع عن دين الله بالكلية، ماذا سيفعل القائد الجديد هل سيوقف جيش أسامة لترتيب البيت الداخلي أم ماذا سيفعل وعلى أي وجهة سيقاتل؟ هل سيستسلم؟ هل سيقدم استقالته؟ هل سيرفع الراية البيضاء؟ قرار حاسم وقاطع من الجندي الذي أصبح خليفة لا وألف لا. لا يتوقف جيش أسامة بل سيمضي في مهمته وأداء واجبه بالرغم من كل الظروف التي تمر بها الأمة، يا أبا بكر لماذا اتخذت هذا القرار الصعب في هذه الظروف الصعبة أليس من الأولى ضبط الأوضاع الداخلية، وضع الفلتان الأمني والردة عن دين الله؟ جاء رد الجندي القائد"والله لا أحل عقدة عقدها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولو أن الطير تخطفنا والسباع من حول المدينة ولو أن الكلاب جرت بأرجل أمهات المؤمنين لأجهزن جيش أسامة" [1] ، يا لروعة هذه الكلمات التي تدل على جندية ليس مثلها جندية، أمام كل تلك الأهوال وتلك الصعوبات وتلك العقبات يقف الأسد لكي يعلن أنه لا انقطاع في الجندية وأن الجندية التي كانت في حياة النبي عليه السلام ستستمر بعد موته وهذا أول دليل على ذلك، نحن جنود لا نموت بموت قائدنا ولا نتراجع بتراجع الضعفاء منا، نحن جنود الشدائد والوفاء والثبات كيف يعطل أمر النبي - صلى الله عليه وسلم -؟ حتى لو انقلبت الأرض كلها وتغير حالها لا يعطل
(1) البداية والنهاية 6/ 304