التنكيل وهو إمام أهل السنة الذي وقف بهمّة العالم الرباني فرفض الانصياع لأوامر الأمراء في فتوى تتعلق بخلق القرآن الكريم هكذا كانت همم علماء الأمة وهكذا كانوا يعذبون ويسجنون ويضربون من أجل فتوى أو من أجل موقف قال هلال بن العلاء:"خرج الشافعي ويحيى بن معين واحمد بن حنبل إلى مكة فلما صاروا بمكة نزلوا في موضع فأما الشافعي فانه استلقى ويحيى بن معين أيضا استلقى واحمد ابن حنبل قائم يصلي فلما أصبحوا قال الشافعي لقد عملت للمسلمين مائتي مسألة وقيل ليحيى بن معين أي شئ عملت؟ فقال: نفيت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مائتي كذبة وقيل لأحمد بن حنبل: فأنت؟ فقال: صليت ركعات ختمت فيها القرآن"الله أكبر كل ذلك في ليلة واحدة وهم في سفر فكيف لو كانوا في بيوتهم وعند أهلهم وذويهم؟ كانت لديهم همّة عظيمة في طلب العلم وفي التعليم وفي الجهاد وفي الفقه وفي الصبر وفي الدعوة وفي الإخلاص وفي خدمة الدين وغيرها من الفضائل العظيمة، لا كما يحدث اليوم من كثير من العلماء الذين باعوا دينهم واشتروا دنياهم فخابوا وخسروا ومشوا خلف السلاطين والحكام المجرمين فانصرفت هممهم إلى الوزارات والوظائف والدولارات والمناصب فصار الحاكم لا يحتاج سحرة كما احتاج إليهم فرعون حتى أنّ سحرة فرعون عندما علموا صدق موسى - عليه السلام - إتّبعوه وتركوا ما هم عليه من الباطل فكانوا في أول النهار سحرة لعقول الناس بالفتاوى المبرمجة والمستوردة من أسيادهم في البيت الأبيض خاصة فيما يتعلق بالجهاد والمجاهدين أي زمان هذا الذي صار فيه الجهاد جريمة وإرهابا ليس فقط عند أعدائنا من الصهاينة والصليبيين بل من بعض علمائنا الذين أباحوا دماء الموحدين وحرّموا دماء الصليبيين الغاصبين الذين احتلوا بلاد المسلمين ... رحم الله الإمام احمد والشافعي ومالك وأبي حنيفة وابن المبارك والثوري وابن تيميّة وابن القيم والحسن البصري وغيرهم من علماء الأمة المخلصين، أصحاب الهمم والعزائم فهذا ابن تيميّة شيخ الإسلام ومن أصحاب الهمم العظام سجن عدة مرات ومات في سجنه وأّلَّف فيه عشرات المجلدات بما يعرف اليوم بفتاوى ابن تيميّة ... يقول ابن القيم لما سجن ابن تيميّة دخلت عليه وهو مسجون فنظرت إليه فبكيت فقال لي: أتبكي لحالي؟ قلت: نعم فقال: لا والله يا بنيّ لست أنا المحبوس لست أنا المأسور، المحبوس من حُبس قلبه عن ربه والمأسور من أسره هواه"ما أجمل تلك الكلمات، والتي إن دلت على شيء إنما تدل على همّة ذلك العالم خاصّة أثناء الشدائد فهو من قال يومًا:"ماذا يفعل أعدائي بي؟ أنا جنتي وبستاني في صدري إن سرتُ فهي معي إن قتلوني فإنها شهادة وإن أخرجوني فإنها سياحة وإن سجنوني فإنها خلوة"، لن تستطيعوا محاصرة فكري ساعة لن تستطيعوا محاصرة قلبي ساعة لن تستطيعوا محاصرة لساني وقلبي وهمتي وعزيمتي ..."
إخواني في الله؛ إن المعالي لا تنال بالأحلام ولا بالرؤيا في المنام وإنما بالحزم والعزم فما لصالح الأمة غير علو الهمّة فإن فعلت ذلك بلغت القمّة ... هذه الأمّة تحتاج إلى همم الرجال المخلصين وهمم النساء المخلصات فقد كانت نساء السلف صاحبات عزائم قوية قد تفوق الرجال في بعض الأحيان يقول عبد الله بن الحسن: كانت لي جارية رومية وفي ليلة إذا هي ساجدة تقول: بحبك لي إلاّ غفرت لي، فقلت لها: لا تقولي بحبك لي ولكن قولي بحبي لك فقالت: يا مولاي بحبه لي أخرجني من الشرك إلى الإسلام وبحبه لي أيقظ عيني وكثير من خلقه ينام"يا لهذه الهمّة من همّة عظيمة في العطاء والعبادة هذا من جارية فكيف ببقية نساء السلف من الصحابيات والصالحات والعابدات والمجاهدات والمربيات للمجاهدين، كانت بعض نساء السلف إن عاد الجيش من المعركة وابنها في الجيش تسألهم فتقول: هل عاد ابني شهيدًا فتهنئوني أم عاد حيا فتعزوني. أو كما قيل. إن الهمّة لا"