بعضنا بعضا ... فقال المستضعفون من أتباع رستم إلى بعضهم صدق والله العربي ... أمّا القادة والرؤساء فقد وجدوا في كلام ربعي هذا ما يشبه الصاعقة التي أصابت كيانهم فحطمته وكسرته فقال بعضهم لبعض: لقد رمى بكلام لا تزال عبيدنا تنزع إليه ... أي أن العبيد تأثروا بكلام ربعي عنهم مما أثار نوعا من التمرد الخفيّ وهكذا ظل الإسلام يربي أتباعه على العزة والكرامة حتى أمام قادة الدول والجيوش فمهما كانت قوتهم وكثرت سطوتهم يبقى المسلم صاحب همّة عالية وعزيمة قويّة لا يخاف التهديد ولا يهاب الوعيد مِن عدو مجرم أو جبار عنيد فهذا عبد الله بن حذافة السهمي أحد صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد أسرته الروم فجاء إليه ملكهم فقال له: تنصّر أي اعتنق دين النصارى وأنا أشركك في ملكي وأزوجك ابنتي فقال له: لو أعطيتني جميع ما تملك وجميع ما تملك العرب على أن أرجع عن دين محمد - صلى الله عليه وسلم - طرفة عين ما فعلت فقال له: إذا أقتلك وأنتهي من أمرك فقال له: أنت وذاك أي افعل ما تريد فلن يخيفني ذلك فأصدر ملك الروم أوامره بأن يصلب وأمر الرماة فرموه قريبا من يديه ورجليه وهو يعرض عليه النصرانية فرفض عبد الله عروضه ثم أمر الملك بإنزاله ثم أمر بقدر فأوقدت تحته النار ثم أمر بأسير من المسلمين فالقاه في القدر فمات المسلم وطاشت عظامه على وجه القدر وعبد الله ينظر إليه والملك يعرض عليه النصرانية وهو يرفض فأمر الملك بأن يوضع عبد الله على البكرة ليلقى في القدر فعندما رفع عليها بكى فرآه الملك يبكي فأمر بإنزاله طمعا في قبوله بالدين النصراني ولكنها كانت المفاجأة التي أذهلت الملك عندما سمع سبب بكاء عبد الله - رضي الله عنه - إنّي إنما بكيت لأنّ نفسي إنّما هي نفس واحدة تلقى في هذه القدر الساعة في الله فأحببت أن يكون لي بعدد كل شعرة في جسدي نفس تعذب هذا العذاب في الله وفي بعض الروايات أنّ الملك سجنه ومنع عنه الطعام والشراب أيّاما ثم أرسل إليه خمرا ولحم خنزير فلم يقربه ثم استدعاه فقال له: ما منعك أن تأكل؟ فقال: أما إنّه قد حل لي ولكن لم أكن لأشمتك بي فقال الملك فقبّل رأسي وأنا أطلقك فقال وتطلق معي جميع أسارى المسلمين؟ قال: نعم فقبّل رأسه فأطلقه وأطلق معه جميع أسارى المسلمين عنده فلما رجع قال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - حق على كل مسلم أن يقبل رأس عبد الله بن حذافة وأنا ابدأ فقام فقبل رأسه رضي الله عنهما [1] ... لو كنت أمامي يا عبد الله لقبلت يديك بعد تقبيل راسك لأنك كنت مثلا حيا وعمليا لكل ما تعنيه الهمّة من معاني القوّة والصلابة وعدم الانبطاح أمام ترغيب أو ترهيب الطغاة نموذجا حيا لهؤلاء الذين تخرّجوا من مدرسة محمد - صلى الله عليه وسلم - لقد وقفت موقفا مشرّفا أعلنت فيه ولاءك لله ولرسوله وللمؤمنين فلم ترضَ بأن يطلق سراحك وحدك بل طالبت بكل إخوانك من أسارى المسلمين فأي مصيبة أعظم من أن يبقى مسلم تحت سيطرة أعداء الله، فهم لا يرقبون فينا عهدا ولا رحمة ولا إنسانية لأنهم فقدوا كل ذلك عندما عبدوا غير الله أو عبدوا معه آلهة أخرى والعياذ بالله ... لقد كانت همم الصحابة - رضي الله عنهم - عالية في كل المواقع وأمام كل الإغراءات وأمام كل التحديات إنهم رجال السلف الشاهقين أعظم ثلة ظهرت في دنيا العقيدة والإيمان ... من هنالك من بينهم انطلقت كتائب التوحيد والجهاد وكتائب الفتح المبين كانوا رجالا إذا ما توفوا فهم أحياء فكم من أناس موتى تحيى القلوب بذكرهم و أناس أحياء تموت القلوب برؤيتهم ... هم أناس ماتوا و لكنهم أحياء بيننا بسيرتهم وبهممهم وبعزائمهم وبمسارعتهم إلى فعل الخيرات ونيل القربات والقيام بالطاعات إخواني الجنود: إنّ النيّة الصالحة والهمّة العالية والصبر على الأذى ومخالفة الهوى لهي أسلحة لكل جندي من جنود التوحيد فإنما هي نفس تضيء وعزيمة
(1) روى هذه القصة الحافظ بن عساكر في تاريخ دمشق، والمتقي الهندي في كنز العمال، وطرق هذا الأثر الثلاثة كلها فيها نظر.