ومن ثم عشت في ظلال القرآن هادئ النفس، مطمئن السريرة، قرير الضمير، عشت ارى يد الله في كل حادث وفي كل أمر عشت في كنف الله وفي رعايته عشت استشعر ايجابية صفاته سبحانه وفاعليتها، أي طمأنينة ينشؤها هذا التصور؟ واي سكينة يفيضها على القلب؟ واي ثقة في الحق والخير والصلاح؟ واي قوة واستعلاء على الواقع الصغير يسكبها في الضمير [1] هكذا كان ايمان سيد، ايمان راسخ وعقيدة صلبة، نور ويقين، ايمان وتسليم، انطلاق وقوة لم تكن مجرد لحظات ايمانية عابرة يمكن ان تزول امام أي عاصفة، وتبدأ معركة مع الطاغية ويشعر النظام القائم بخطورة افكار سيد ويتم اعتقاله عدة مرات لعله يتراجع او على الاقل ان يتوقف ولكن سيد بقي متمسكًا بأفكاره التي اقتنع بها بكل قوة، وامام هذا التمسك بالمبادئ لم يكن امام جنود الطاغوت غير تعذيبه مع انه كان مريضًا الا ان التعذيب كان شديدًا، وفي العام 1955 م حكمت محكمة الشعب او بالاحرى مهزلة الشعب على العالم الرباني بالسجن لمدة خمسة عشر عامًا مع الاشغال الشاقة، وكان الحكم غيابيًا لعدم استطاعته حضور الجلسة من جراء ما اصابه من اعياء ومرض وتعذيب، ولما سمع سيد الحكم بسجنه خمسة عشر عامًا، اعترض عليه مستهزئًا: انها مدة قليلة فاين حكم الاعدام" [2] ."
سيد التوحيد والجهاد، سيد الظلال، سيد المعالم، يقف شامخًا امام ذلك الحكم الظالم اين حكم الاعدام،؟ بكل شجاعة وجرأة واقدام، سيد يتحدى اللئام مع انه مصاب بمجموعة كبيرة من الامراض دفعت بأسريه لان يضعوه في مستشفى أحد السجون، ومع مرور السنوات تأذت حالته الصحية أكثر حتى تم الافراج عنه في العام 1964 م بسبب تردي حالته الصحية بشكل كبير وخطير، وبعد شهور قليلة تم القاء القبض عليه مرة أخرى لان سيد لا يعرف المداهنة ولم يجرب يومًا ان يكون دليلًا امام طاغية من الطغاه مهما كانت قوة ذلك الطاغية سيد لا يعرف الانكسار لا ينحني لغير الواحد الجبار، يعود لزنزانته والسياط والعذاب باشكال والوان حتى كاد يفقد بصره، ومع كل ذلك العذاب وتلك الامراض فان سيد كان نموذجًا رائعًا في سجنه حيث كان يعتبر قدوة بين السجناء بأخلاقه وسلوكه وفرضه الاضراب على الجميع حتى انه لقب في سجنه بـ"قاضي السجن"بل كان البعض يلقبه بـ"مدير السجن"، اذ كان رايه يقدم عند السجناء على راي مدير السجن وكانت له الكلمة الاولى والاخيرة حتى عند السجناء غير الإسلاميين، سيد كان جنديًا في كل المواقع وعلى جميع الجبهات مع ان سنه قد اقترب من الستين وامراضه كثيرة جدًا ومع ذلك بقي كالاسد كالجبل لا يصعف ولا يستسلم ولا يتراجع بل على العكس تمامًا كان يدعو ويعلم ويجند وينشرالفكر الإسلامي الصحيح ويشرح العقيدة الصحيحة من خلال فهمه للقرآن، وقد اكمل تفسيره"في ظلال القرآن"ثم اعاده في طبعته المنقحة حيث وصل في تنقيحه إلى الجزء الثالث عشر، وألف كذلك كتاب"هذا الدين"وكتاب"المستقبل لهذا الدين"و"الإسلام ومشكلات الحضارة"و"خصائص التصور الإسلامي"و"مقومات التصور الإسلامي"و"معالم في الطريق"السجون لا تكسر عزائم الرجال ولا تؤثر على همم الابطال، السجون
(1) مقتطفات من مقدمة الظلال، ص 11 - 14
(2) ذكر ذلك الدكتور صلاح الخالدي في كتابه سيد قطب من الميلاد إلى الاستشهاد ص 350