الصالح كان يقول: يا ابن آدم إنّما أنت ثلاثة أيام: أمْسُك وقد ولى وغدك ولم يأت ويومك فاتَّق ِالله فيه ... فلا تحمل هموم المستقبل واعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا لأنّ العمر قصير والأجل قريب فأحسن العمل ولا تقلق فإنّ من أحبّ لقاء الله أحبّ الله لقاءه فاستمسك بهمّتك وعزيمتك وإنّ شيخ الإسلام رحمه الله سئل عن المعصية: هل هي خير للعبد؟ فقال: نعم بشرطها من الندم والتوبة والاستغفار والانكسار فلا تجعل الذنوب تسيطر على نفسك وتقعدك إلى الأرض وتتركَ العمل بسببها وإنّ الأبواب إذا أغلقت في وجهك وقطعت بك الحبال فانقطع على عتبات الربوبية واقرع باب السماء بمفتاح الدعاء وتمسكن على أبواب ملك الملوك ومرِّغ الجبين لربّ العالمين فهو نعم المولى ونعم المجيب ونعم النصير {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} غافر: 60، وإنّ الذكر علاج الفتور في العبادة فقد جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال له: يا رسول الله: إن شرائع الإسلام قد كثرت عليّ وأنا كبرت فأخبرني بشيء أتشمت له فقال له"لا يزال لسانك رطبا بذكر الله" [1] ، اذكر الله على كل أحوالك إلا في الأماكن المنهيّ عنها تكن أسعد الناس وإنّ نعمة الشكر من أعظم النعم ونعمة الحياة ونعمة السمع ونعمة البصر ونعمة اليدين والرجلين ونعمة الماء والهواء والغذاء ونعمة التوحيد والجهاد ونعمة الرباط في أرض الرباط كلها نعم عظيمة لا تقدر بثمن فهل تبيع عينيك بمليار دولار؟ هل تبيع أذنيك بمليار دولار؟ أتبيع يديك أو رجليك بمليار دولار؟ أسمعك تقول لا أبيع ... فهل شكرت ربك على كل تلك المليارات التي تحملها في جسدك قال تعالى: {لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ} إبراهيم: 7، ولكن أي شيء وجد من فقد الله وأي شيء فقد من وجد الله؟ لا يستويان أبدا فمن وجد الله وجد كل شئ ومن فقد الله فقد كل شئ فكن مع الله تعالى ولا تبالي بشيء فحافظ على العزيمة القوية وإنّ أحد السلف سئل عن الأثرياء من أصحاب الأموال ودورهم وأحوالهم فقال: نأكل ويأكلون ونشرب ويشربون وننظر وينظرون ولا نحاسب ويحاسبون ... فلا تهتمّ لما أصابك من فقر أو مرض وكن عالي الهمّة فلا تحزن لأنّ الله يدافع عنك والملائكة تستغفر لك والمؤمنون يدعون لك والنبي - صلى الله عليه وسلم - يشفع لك والقرآن الكريم يعدك وعدًا حسنا وفوق كل ذلك رحمة أرحم الراحمين لا تحزن وأنت من رواد التوحيد وحملة العقيدة وحراس الإسلام وأهل القبلة فأنت في خير عظيم لم يدركه كثير من الناس لا تحزن وتمسَّكْ بعزيمتك وإن كثرت عليك الشدائد فإن الشدائد تقوِّي القلب وتمحو الذنب وتنسف الكِبْرَ واستسلام للواحد القهار وإنّك إن استسلمت لأحزانك أو الشدائد فإنّ ذلك يضعفك عن العبادة ويعطلك عن الجهاد ويورثك الإحباط ويدعوك إلى سوء الظن ويوقعك في التشاؤم ويدفعك إلى الندم ويزرع في نفسك اليأس وينمّي في قلبك الحقد والغلّ والحسد وذكر ابن القيم رحمه الله أنَّ قيمة الإنسان همّته وهذا صحيح تذكر دائما أنَّ همتك هي قيمتك فإن فقدتها تكون بذلك قد خسرت نفسك والعياذ بالله ... وقد قال احد الحكماء: أخبرني عن اهتمام الرجل أخبرك أي الرجال هو ... فما هي اهتماماتك؟ وأين تنصرف عزيمتك؟ لا يليق ذكرها؟ فكن منصرفا بهمتك إلى معالي الأمور وترفَّع عن الأمور التافهة التي لا تفيد فقد ميّز الله بين الناس بحسب مقاصدهم وهممهم {وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} آل عمران: 152، إيّاك واليأس أو التذمر
(1) رواه أحمد في المسند والبيهقي في السنن الكبرى وقال الترمذي: حسن غريب.