فقد ضلَّ أحد البحارة في المحيط الهادي وبقي واحدًا وعشرين يومًا ولما نجا سأله الناس عن اكبر درس تعلمته فقال: إنّ اكبر درس تعلمته من تلك التجربة هو: إذا كان لديك الماء الصافي والطعام الكافي يجب ألا تتذمر أبدا ... لأنّ التذمر الكثير يضعف النفس فهذا لا يصح من صاحب الهمّة وطالب العزيمة مهما كانت الظروف حاول أن تتغلب عليها لأنّ الحياة ليست نزهة أو رَوْحَة إنّما هي دار البلاء والتعب والنصب فاستعدّ حتى لا تغلب فقد طُعِن الفاروق عمر - رضي الله عنه - فأخذ جرحه ينزف دمًا وبدأت سكرات الموت تظهر عليه وهو مع كل ذلك يسأل الصحابة هل أكمل صلاته أم لا؟ هذه همّة الشدائد وهذا سعد بن الربيع - رضي الله عنه - أصيب في أحد وكان يسأل في آخر رمق عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خوفًا من أن يكون أصابه مكروه .. هذه عزيمة الرجال عند النزال ... تَقَوَّى بالله تعالى تكن صاحب عزيمة قوية يقول الإمام ابن تيميّة:"بلا حول ولا قوة إلا بالله تُحمل الأثقال وتُكابد الأهوال ويُنال شريف الأحوال فالزمها أيها العبد فإنها كنز من الكنوز والجنة هي من بنود السعادة ومن مسارات الراحة وانشراح الصدر"... أرْضِ ربك يعينك على علو الهمّة لأنّه هو المحي المميت والرازق فلماذا الخوف من الناس والقلق منهم؟ والحقيقة أنَّ أكثر ما يجلب الهموم والغموم هو التعلق بالناس وطلب رضاهم والتقرب منهم والحرص على ثنائهم والتضرر بذمهم وهذا من قلة التوحيد ... حافظ على توحيدك وتمسك به رضي من رضي من الناس وسخط من سخط منهم يعينك الله على قوة العزيمة.
خذ هذه العزيمة هدية من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -"من بات آمنا في سربه معافًا في بدنه عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها" [1] ، بمعنى أنَّ الإنسان إذا حصل على الغذاء وعلى مأوى آمن وعلى عافية وصحة في بدنه فقد حصل على أحسن السعادات وأفضل الخيرات وكأنّه ملك الدنيا كلّها فلماذا تضعف عزيمتك؟ لا تخذل نفسك فقد أجمع العارفون على أنَّ الخذلان أنْ يكلك الله إلى نفسك ويخلّي بينك وبينها والتوفيق ألاّ يكلك الله إلى نفسك ... وأيُّ خذلان للنفس أعظم من أن تزرع اليأس بدل الهمّة والإحباط بدل العزيمة ... إذا ضعفت العزيمة فخذ العلاج فورا ولا تترك المرض ينتشر في كل الجسد هذا الدواء يتكون من ثلاثة عقاقير:
الأول: جدد الاتصال بالله عبادةً ودعاءً وذكرًا وتسبيحًا وتلاوةً وخوفًا ورجاءً ورهبةً وحبًا.
الثاني: إغلاق ملف الماضي بمآسيهِ ودموعهِ وأحزانهِ ومصائبهِ وآلامهِ وهمومهِ وأن تبدأ بحياةٍ جديدةٍ مع يومٍ جديدٍ.
الثالث: ترك المستقبل الغائب وعدم الاشتغال به والانهماك فيه وترك التوقعات والانتظار والتخوف يقول علي - رضي الله عنه: إيّاكم وطول الأمل فإنّه ينسي الآخرة، {وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ} القصص: 39، هذه أدوية إيمانية سريعة حفاظًا على همّتك وإبقاءً لعزيمتك مرتفعةً ... يقول الحسن البصري رحمه الله: لا تجعل لنفسك ثمنًا غير الجنة فإنّ نفس المؤمن غالية فلا يبيعها بثمن رخيص، إنّ الذين يبكون على ذهاب أموالهم وتهدم بيوتهم واحتراق سياراتهم ولا يأسفون ولا يحزنون على نقص إيمانهم وعلى تقصيرهم وذنوبهم سوف يعلمون يوما أنّهم كانوا مغيّبين عن الحقيقة {إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا} الإنسان: 27، إيّاك أن تضعف عزيمتك لخسارة مال أو ذهاب ربح لأنّك إنّما خلقت لتحيا فتموت فتبعث لتحاسب وبعد الحساب إمّا جنة وإمّا والعياذ بالله نارا فاشتري الجنة إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ
(1) رواه الترمذي وابن ماجه والبيهقي وغيرهم وحسنه الألباني.