مع الخَلْق ومع من هم اقلَّ منك ولا تأنفِ الحديث مع فقير أو مسكين أو طالب حاجة فقد قال تعالى عن نبيه - صلى الله عليه وسلم: {عَبَسَ وَتَوَلَّى (1) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى} عبس: 1 - 2، عندما جاء عبد الله بن أم مكتوم - رضي الله عنه - والنبي - صلى الله عليه وسلم - يدعو قادة قريش و يستميل قلوبهم للإيمان فأعرض عنه عندما طلب منه أن يعلمه، فأنزل الله هذه السورة الكريمة و في آية أخرى {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا} الكهف: 28، وقد ذكر أهل العلم أنَّ عامة أتباع الأنبياء والرسل هم من الفقراء والمساكين غير أصحاب الشأن بين قومهم وفي بلدانهم، ولكنّ الله تعالى سرعان ما يرفع شأنهم ودرجاتهم كما حدث مع الصحابة الكرام - رضي الله عنهم - فهذا بلال - رضي الله عنه - صاحب النبي - صلى الله عليه وسلم - وحبيبه ومؤذنه ورفيقه كان قبل إسلامه يباع ويشترى ثم رفع الله شأنه بهذا الدين فرضي الله عنه وعن الصحابة أجمعين ... كن متواضعا تكن صاحب همّة وعزيمة ... وإيّاك ونسيان هذه الآية {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ} الرحمن: 26، لأنّ الموت حكم قاطع وأمره واقع ليس له من دون الله دافع ليس منه بد ولا شافع {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ} موت يعم كل الدول وأتى على أهل القرون الأولى ولم ينجُ منه أهل سهل ولا جبل {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ} موت يقتحم الأسوار ويشق البحار ولا يُبقي أهل بيت ولا دار، لا ترده عظمة جبّار ولا عزّة قهّار ولا منعة ذي درهم ودينار {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ} موت على كلِّ كبير وصغير وخطير وحقير وغني وفقير وقائد وزعيم ووزير {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ} فلا خلود لكلّ موجود فلم البكاء على كلّ مفقود وأجل معدود وعمر محدود وقضاء غير مردود ... إنّ تذكرة الموت تعصم من المعصية كلّ تقيّ وتدعو إلى استغلال ما ينقِّي ويطهّر البدن كما يُطهّر الثوب النقيّ ... كن ذاكرًا للموت كما قال - صلى الله عليه وسلم:"أكثروا من ذكر هادم اللذات" [1] ، كن معتبرا من وحشة القبور بعد تركك نور الدور والقصور فيدفعك ذلك إلى النشاط لأنّك تقولها اليوم لكي يقولها غيرك من العصاة {حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} المؤمنون: 99 - 100، المسكين مهما بذل من الجهود ولكنّك اليوم تستطيع أن ترجع هنا في هذه الدنيا فارجع اليوم واعمل صالحا قبل أن يأتي يوم يتمنى المرء فيه الرجوع فيقال له: {لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} المؤمنون: 100، كن من أهل العبرة قبل أن يأتي اليوم المُعْتَبَرُ تكن صاحب همّة وعزيمة ... إيّاك أن تكون إمَّعة تقلّد دون فهم وتساق دون معرفة فتقع فريسة الذئاب وأصحاب الفكر المنحرف كن واثقًا من نفسك ومن قدرتك على الإنتاج فأنت كما البشر أعطاك الله من المواهب ما لم يعطِ غيرك فلا تتقمص شخصية غيرك وكن على طبيعتك فأنت لك شكل خاص ولون خاص وذوق خاص فكن دائمًا بلونك وشخصيتك وذوقك وأخلاقك فكن كما أنت واحذر رفقة السوء فإنّ القرين بالقرين يقاس وإنّ المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل وكن على علم بطبائع الرجال واعرف كيف تختار منهم من يكون بجانبك ويطّلع على أسرارك وأمورك الخاصة لأنّ كثيرًا من الناس خاصّة في هذه الأيّام صاروا يتقنون فنّ الخداع والتحايل والظهور بغير الحقيقة الباطنة فكن على حذر من هذا الخطر تنجو من الضرر بإذن الله تعالى ... كن صاحب ثقة بنفسك وقوّة في شخصيتك بشرط أن لا تمتنع عن قبول الحق وأن تنقاد له تكن صاحب همّة وعزيمة إيّاك إيّاك ثم إيّاك ... إلى أن ينقطع النَفَس ثم كن ثم كن ثم كن ... إلى أن ينقطع النفس
(1) رواه أحمد والترمذي والنسائي وغيرهم وصححه ابن حبان والحاكم وقال الشيخ شعيب الأرناؤوط حديث حسن.