فهرس الكتاب

الصفحة 75 من 604

نور دائم وحق قائم لا تخشى في الله لومة لائم هي بصيرة تسير مع الهواء وتعانق السماء وتمشي فوق الماء وتحت الماء مليئة بالعطاء كثيرة النقاء قويّة البقاء هي بصيرة تحمل كلّ خير وكلّ بركة وكلّ احترام وكلّ ارتفاع وكلّ سمو وكلّ مدح وكلّ ثناء ... يقول ابن كثير رحمه الله في تفسير قوله تعالى:"قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي ..."يقول تعالى لرسوله - صلى الله عليه وسلم - إلى الثقلين الإنس والجن آمرًا له أن يخبر الناس أنَّ هذه سبيله أي طريقته ومسلكه وسنّته وهي الدعوة إلى شهادة أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له يدعو إلى الله بها على بصيرة من ذلك ويقين وبرهان هو وكل من اتّبعه يدعو إلى ما دعا إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على بصيرة ويقين وبرهان عقلي وشرعي ..." [1] ."

إخواني في الله: إنّ عمى البصيرة أخطر ألف مرة من عمى البصر فكم من أعمى ولكنّ قلبه يشع بنور الإيمان وقد عظّم الله تعالى أجر من فقد بصره فعن أنس - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: إنّ الله عزّ وجلّ قال: إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه فصبر عوّضته منهما الجنّة" [2] والمراد بحبيبتيه أي عينيه يقول الشيخ ابن عثيمين رحمه الله وغفر له على ما صدر عنه في بعض الفتاوى:"ففيه أنَّ الرسول - صلى الله عليه وسلم - قال عن ربه تبارك وتعالى أنّه ما من إنسان يقبض الله حبيبتيه يعني عينيه فيعمى ثم يصبر إلاّ عوّضه الله بهما الجنّة لأنّ العين محبوبة الإنسان فإذا أخذهما الله سبحانه وتعالى وصبر الإنسان واحتسب فإنّ الله يعوّضه بهما الجنّة" [3] ، فهنيئا ً لمن أخذ الله عينيه فصبر على ذلك واحتسب أَجْر ذلك عند الله لأنّ جزاؤه الجنة وقد عاتب الله تعالى نبيّه - صلى الله عليه وسلم - عندما جاءه عبد الله بن أم مكتوم - رضي الله عنه - يريد العلم والنبي - صلى الله عليه وسلم - يدعو صناديد قريش فأعرض عنه فأنزل الله تعالى {عَبَسَ وَتَوَلَّى (1) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى} عبس: 1 - 2، سبحان الله تعالى سورة كاملة من أجل رجل أعمى ولكنّ بصيرته مليئة بالإيمان وبالرغبة في طلب العلم يمشي ويبحث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من أجل تعلم أحكام دين الله تعالى فاستحق بذلك أن يخلّد الله ذكره في سورة عظيمة تتلى إلى يوم القيامة وعاتب الله من أجله نبيه - صلى الله عليه وسلم - كل ذلك من أجل أعمى ولكنّه أعمى من نوع آخر ومن طراز فريد جدًا تحدثت عنه قليلا ً في غير هذا الموضع ولكنّي أريد هنا أن أقف عنده قليلا ً لكي نسمع قوله وطلبه ورغبته كيف جاء وكيف طلب وماذا قال ولماذا يُتعب نفسه وهو أعمى؟ لماذا كل تلك المتاعب؟ ففي رواية أنّه قال للنبي - صلى الله عليه وسلم:"يا رسول الله علّمني مما علّمك الله"وفي رواية أنّه قال: أرشدني"وفي رواية"أنّه جاء يستقرئ النبي - صلى الله عليه وسلم - آية من القرآن" [4] ، أنظر إلى تلك الطلبات الرائعة وإلى تلك الكلمات الطيبة وإلى تلك الرغبة العالية وإلى تلك النفس المجتهدة وإلى تلك البصيرة النيِّرة وإلى ذلك القلب المتوقد وإلى حرارة السعي والطلب الجادّ و إلى المثابرة والمقاومة والبحث عن الفائدة و إلى تلك الأقدام التي تسير بين الركام وبين الزحام في كل لحظة قد يقع اصطدام ومع ذلك فإنّه يتقدم إلى الأمام يذهب إلى الشيخ إلى العالم إلى الحبيب إلى المعلّم إلى النبيّ الإمام والعلم الهمام والرسول المقدام والمجاهد الذي لا يعرف الإحجام - صلى الله عليه وسلم - أعمى يذهب ليبحث عن أحد يعلّمه فما بال أصحاب العيون المبصرة لماذا يغلب عليهم النوم؟ لماذا يبحثون عن كل شيء إلاّ العلم؟ يبحثون عن الأموال وعن الزوجات وعن الأولاد وعن القصور وعن السيارات وعن الأرصدة في البنوك وعن الطعام والشراب وعن الشهادات والمناصب وعن المباحات والمحرمات ... يبحثون عن كل شيء إلاّ

(1) ابن كثير ج 2 ص 969.

(2) رواه البخاري.

(3) رياض الصالحين مع تعليقات للشيخ ابن عثيمين ص 19.

(4) رواه ابن جرير الطبري في التفسير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت