ثالثًا: دليل الأصل؛ فالأصل في الأعيان الطهارة، والمنيّ من هذه الأعيان؛ فلا يصحُّ أن يُقال إنَّه نجس إلاَّ إذا ورد الحكم بهذا من الشارع، ولم يرِد ما يدلُّ على هذا، مع أنَّ الحاجة ماسَّة إلى ذلك؛ لعموم البلوى به.
رابعًا: ما وردَ من الآثار عن بعض الصحابة؛ ممَّا يدلُّ على أنَّ هذا هو مذهبهم؛ كما ورد عن: سعد بن أبي وقَّاص، وابن عبَّاس - رضي الله عنهم -.
قال ابن حزم-رحمه الله في «المحلَّى» :"وروينا غسله عن: عمر بن الخطَّاب، وأبي هريرة، وأنس، وسعيد بن المسيّب" [1] .
وقال الشوكاني:"وقال الشافعي وداود - وهو أصحُّ الروايتَين عن أحمد - بطهارته. ونسبَه النوويُّ إلى الكثيرين من أهل الحديث؛ قال:"ورُوِيَ ذلك عن: علي بن أبي طالب، وسعد بن أبي وقاص، وابن عمر، وعائشة"، قال:"وقد غلط مَن أوهم أنَّ الشافعيَّ منفرد بطهارته"" [2] .
ويُجاب عن غسله في بعض الأحيان: أنَّ الغسل هذا لأجل النظافة فقط، وهو من قبيل غسل المخاط والبصاق؛ ولذا ورد عن سعد بن أبي وقَّاص وابن عبَّاس قولُهم: «أمطه عنك، ولو بإذخرة؛ فإنَّما هو بمنزلة المخاط والبصاق» .
ويُجاب عن قولهم: إنَّه خارج من مخرج البول، وأنَّ كلَّ خارج من سبيل فهو نجس: بأنَّ هذا"استدلالٌ بمحلِّ النزاع على محلِّ النزاع؛ فلا يُقبَل."
ثم إنَّ قياسه على كلِّ خارج - بجامع الاشتراك في المخرج - منقوضٌ بالفم: فإنَّه مخرج النخامة والبصاق الطاهرين، والقيء النجس - على قول الجمهور -، وكذا الدبر:
(1) ابن حزم، المحلى، مرجع سابق، 1/ 135.
(2) الشوكاني، نيل الأوطار، مرجع سابق، 1/ 69.