فهذه النصوص تقضي بأنَّ النجاسة إذا أُزيلَت بأيِّ شيء، وذهبَت هذه النجاسة؛ فإنَّ العَين تطهر.
أما من حيث النظر؛ فإنَّه يقال:
1 -إنَّ الحُكم إذا ثبتَ بعِلَّة زال بزوالها؛ فهو يدور مع عِلَّته وجودًا وعدمًا؛ فإذا انتفت هذه العِلَّة انتفى الحكم.
2 -يُقال كذلك - وهو من المتفَق عليه بين المذاهب الأربعة، بل حكاه ابن تيميَّة إجماعًا [1] : إنَّ تطهير النجاسات من باب التروك والإزالات، وهي ما لا يُشترَط فيه النِّيَّة ولا القصد؛ فمجرَّد الزوال يكفي بأيِّ شيء وكيفما كان.
3 -إنَّ إزالة النجاسة بالماء معقول المعنى، وليس تعبُّديًّا محضًا؛ فالمراد هو قلع النجاسة من موضعها، وهو يحصل بالماء كما أنَّه يحصل بغيره.
سُئِلَ الشيخ محمد بن صالح العثيمين - رحمه الله: هل تطهر النجاسة بغير الماء؟ وهل البخار الذي تُغسَل به الأكوات مطهِّر لها؟
فأجاب:"إزالة النجاسة ليست ممَّا يُتعبَّد به قصدًا؛ أي: إنَّها ليست عبادة مقصودة؛ وإنَّما إزالة النجاسة هو التَّخلِّي من عَين خبيثة نجسة؛ فبأيِّ شيء أزال النجاسة وزالت وزال أثرها فإنَّه يكون ذلك الشيء مطهِّرًا لها، سواء كان بالماء أو بالبنزين، أو أيِّ مُزيل يكون؛ فمتى زالت عَين النجاسة بأيِّ شيء يكون فإنَّه يعتبر ذلك مطهِّرًا لها، حتى إنَّه - على القول الراجح الذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيميَّة - لو زالت بالشمس والرِّيح فإنَّه يطهر المحلّ؛ لأنَّها - كما قلتُ - هي عين نجسة خبيثة، متى وُجِدَت صار المحلّ متنجِّسًا بها، ومتى زالت عاد المكان إلى أصله - أي: إلى طهارته -؛ فكلُّ ما تزول به عين النجاسة وأثرها - إلاَّ أنَّه يُعفَى عن اللون المعجوز عنه - فإنَّه يكون مطهِّرًا لها."
(1) ابن تيميَّة، مجموع الفتاوى، مرجع سابق، 21/ 477.