اليمنى حتى غسلها، ثم أخذ غَرفةً أخرى فغسل بها رجله يعني اليسرى، ثم قال: «هكذا رأيتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتوضَّأ» [1] .
وَجه الاستدلال:
إذا كان - صلى الله عليه وسلم - قد أخذ غَرفةً من الماء للمضمضة والاستنشاق؛ فلا يمكن أن تكون هناك صفة في هذه المضمضة والاستنشاق إلاَّ صفة واحدة؛ وهي: الوصل بينهما، ولا يمكن الفصل في هذه الحالة والغَرفة واحدة.
3 -ما ورد عن ابن عمر وأنس - رضي الله عنهما -، وقد تقدَّم.
وأما مَن قال بأنَّ الأَولَى استحباب الفصل بين المضمضة والاستنشاق - وهو مذهب الحنفيَّة، وقولٌ في مذهب المالكيَّة، وعليه أكثر أصحاب الشافعيَّة، وجعلَه الصنعاني مختارًا -؛ فإنَّ أصحاب هذا القول استدلُّوا بحديث:
طلحة، عن أبيه، عن جَدِّه [2] قال: «دخلتُ - يعني: على النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يتوضَّأ، والماء يسيل من وجهه ولحيته على صدره؛ فرأيتُه يفصل بين المضمضة والاستنشاق» [3] .
(1) حديث صحيح، أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب: الطهارة، باب: غسل الوجه باليدين من غرفة واحدة، برقم (140) .
(2) طلحة هو: ابن مصرِّف بن كعب بن عمرو اليامي، الكوفي؛ فجَدُّه هو: كعب بن عمرو بن مصرف، وقيل: هو عمرو بن كعب بن مصرِّف. انظر: ابن حجر، الإصابة، مرجع سابق، 5/ 607، ابن حجر، تقريب التهذيب، مرجع سابق، (5645) .
(3) سنن أبي داود، كتاب: الوضوء، باب: في الفرق بين المضمضة والاستنشاق، برقم (139) .
قلت: الحديث لا يثبت؛ قال الحافظ ابن حجر، بلوغ المرام، برقم (48) :"أخرجه أبو داود بإسناد ضعيف"، وقال أيضًا في تلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير، تحقيق: السيد عبد الله هاشم اليماني المدني، (المدينة المنورة) ، (1/ 87) :"أَمَّا حَدِيثُ: طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ جَدِّهِ؛ فَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي حَدِيثٍ فِيهِ: «وَرَأَيْته يَفْصِلُ بَيْنَ الْمَضْمَضَةِ وَالاسْتِنْشَاقِ» . وَفِيهِ: لَيْثُ بْنُ أَبِي سُلَيْمٍ؛ وَهُوَ ضَعِيفٌ. وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ: كَانَ يَقْلِبُ الأَسَانِيدَ وَيَرْفَعُ الْمَرَاسِيلَ, وَيَأْتِي عَنْ الثِّقَاتِ بِمَا لَيْسَ مِنْ حَدِيثِهِمْ. تَرَكَهُ يَحْيَى بْنُ الْقَطَّانِ, وَابْنُ مَهْدِيٍّ, وَابْنُ مَعِينٍ, وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ, وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي «تَهْذِيبِ الْأَسْمَاءِ» : اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى ضَعْفِهِ."
وَلِلْحَدِيثِ عِلَّةٌ أُخْرَى ذَكَرَهَا أَبُو دَاوُد عَنْ أَحْمَدَ؛ قَالَ: كَانَ ابْنُ عُيَيْنَةَ يُنْكِرُهُ، وَيَقُولُ: أَيْشٌ هَذَا؟! طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ جَدِّهِ! وَكَذَلِكَ حَكَى عُثْمَانُ الدَّارِمِيُّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ , وَزَادَ: وَسَأَلْت عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ مَهْدِيٍّ عَنْ اسْمِ جَدِّهِ؛ فَقَالَ: عَمْرُو بْنُ كَعْبٍ - أَوْ كَعْبُ بْنُ عَمْرٍو -، وَكَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ. وَقَالَ الدَّوْرِيُّ عَنْ ابْنِ مَعِينٍ: الْمُحَدِّثُونَ يَقُولُونَ: إنَّ جَدَّ طَلْحَةَ رَأَى النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - , وَأَهْلُ بَيْتِهِ يَقُولُونَ: لَيْسَتْ لَهُ صُحْبَةٌ. وَقَالَ الْخَلاَّلُ عَنْ أَبِي دَاوُد: سَمِعْت رَجُلًا مِنْ وَلَدِ طَلْحَةَ يَقُولُ: إنَّ لِجَدِّهِ صُحْبَةً. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: إنَّ لِجَدِّهِ صُحْبَةً , وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي «الْعِلَلِ» : سَأَلْت أَبِي عَنْهُ؛ فَلَمْ يُثْبِتْهُ , وَقَالَ: طَلْحَةُ هَذَا يُقَالُ: إنَّهُ رَجُلٌ مِنْ الأَنْصَارِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ. قَالَ: وَلَوْ كَانَ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ لَمْ يَخْتَلِفْ فِيهِ. وَقَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ: عِلَّةُ الْخَبَرِ عِنْدِي: الْجَهْلُ بِحَالِ مُصَرِّفِ بْنِ عَمْرٍو وَالِدِ طَلْحَةَ , وَصَرَّحَ بِأَنَّهُ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: ابْنُ السَّكَنِ , وَابْنُ مَرْدُوَيْهِ فِي كِتَابِ «أَوْلادِ الْمُحَدِّثِينَ» , وَيَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ فِي «تَارِيخِهِ» , وَابْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ أَيْضًا , وَخَلْقٌ"."